صَحَتْ فِطْنَةُ الثَّائِرِ الأَرْبَدِ
عَلَى ثَأْرِ جَلَّادِهَا الأَرْمَدِ
فَمَهَا طَغَتْ غُصَّةٌ فِي وَرِيدِي
سَتَنْفَكُّ مِنْ سِحْرِهَا الأَسْوَدِ
حَرِيٌّ لَهَا أَنْ تُنَادِيَ بِجُرْحٍ
وَتِرْيَاقُهُ فَوْقَ كَفِّ اليَدِ
فِدَاكَ العُلَا صَفْحَةُ المَجْدِ نَمْضِي
عَلَى العَهْدِ فِي صَفْعَةِ المُعْتَدِي
إِذَا مَا ابْتَغَى حُرْمَةَ الأَرْضِ بَغْيًا
كَوَاهُ الجِهَادُ اللَّظَى فَاشْهَدِ
فَمَهْمَا احتفَى بِالطُّغَاةِ بَعِيدًا
وَمَهْمَا اخْتَفَى لَنْ وَلَنْ يَبْعُدِ
فَلَنْ يَنْثَنِي مِنْ شعُورٍ شذته
ثُغُورٌ كَزَهْرِ الرِّيَاضِ النَّدِيِّ
وَمَا مِنْ دُعَاءٍ تَجَلَّى بِشَعْبٍ
فَلَابُدَّ تَحْقِيقُهُ فِي الغَدِ
فَذَا يَمْخُرُ الأُفُقَ كالبَرق يَرْقَى
كَنُورِ البُرَاقِ إِلَى السُّؤْدُدِ
فَلَيْسَ لَهُ فِي دُرُوبِهِ حَوْلٌ
يُحُولُ إِلَى نُورِهِ الأَوْحَدِ
فَيَرْعَاهُ عَدْلُ الإِلَهِ وَيَبْقَى
عَلَى صَفْحَةِ الوَعْدِ فِي المُنْجِدِ
عُيُونُ السَّمَاءِ بُرُوجٌ تَرَامَتْ
فَلَنْ يَنْفُذَ الظُّلْمُ فِي المَشْهَدِ
فَكُلُّ الَّذِي فِي الفَضَاءِ تَرَاءَى
شُهُودَ القَضَاءِ عَلَى الفَرْقَدِ
وَيَوْمٌ كَيَوْمِ الحِسَابِ نَرَاهُ
جَلِيًّا كَمَا النَّارُ فِي المَوْقِدِ
وَفِيهِ القَضَا مِنْ لَظَى شُعْلَتَيْنِ
بِدَارِ الدُّنَا ثُمَّ دَارِ الغَدِ
نَرَى الظُّلْمَ فِيهِ وَأَلْوَانَ قَتَمٍ
كَمَا الكُحْلِ فِي ظُلْمَةِ المِرْوَدِ
فَيَصْلَوْنَ يَوْمَ الحِسَابِ سَعِيرًا
وَعُسْرًا بِهِنْدَامِهِ الأَسْوَدِ
وَدُنْيَاهُمُ بَيْنَ لَهْثٍ وَرَكْضٍ
وَدَيْدَنُهُمْ فِيهِ لَنْ يَسْعَدِ
وَفِي لَغْوِهِمْ أَلْفُ بَيْتٍ وَبَيْتٌ
عَلَى تَلَّةِ الشَّامِخِ الأَجْرَدِ
وَإِيفَاؤُهُمْ خَفَتُ بَرْقٌ تَلَاشَى
أَوِ اسْتَبْرَقٌ صار كالجُلْمُدِ
وَفِي جَوْفِهِمْ كُلُّ نَفْعٍ بِسُحْتٍ
بِنَفْخٍ كَمَا الكِيرِ وَالمِزْوَدِ
كَلِيلٌ صَدَى فِعْلِهِمْ مِثْلُ لَيْلٍ
رَأَى كَوْكَبَيْنِ وَلَمْ يَسْجُدِ
فَظَنُّوا الرُّجُولَةَ طَلْيَ الوُجُوهِ
وَلُبَّ الفُحُولَةِ مَا تَرْتَدِي
فَتُمْهِلْهُمُو صَفْوَةَ العَيْشِ دَهْرًا
وَتُلْهِيهِمُو صُفْرَةُ العَسْجَدِ
تَرَى فِيهِمُ إِنْ أَشَادُوا يَقِينًا
وَحِرْصًا عَلَى الوَعْدِ وَالمَوْعِدِ
وَإِنْ قَرَّرُوا فَانْتَظِرْ نِصْفَ قَرْنٍ
فَعَامٌ يَرُوحُ وَذَا يَغْتَدِي
وَإِنْ قِيلَ أَيْنَ الَّذِي قَدْ وَعَدْتُمْ
فَقَدْ خَانَنَا الوَقْتُ يَا سَيِّدِي
وَإِنْ حُوسِبَ المَرْءُ فِيهِمْ تَوَلَّى
يَفِرُّ كَمَا الإِبِلِ الشُرَّدِ
كَأَنَّ لَهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ جَمَالٍ
وَلَا نَاقَةً فِي حِمَى المَقْصَدِ
وَفِي دَلْوِهِمْ رُبَّ عُذْرٍ سِلَاحٌ
وَغَدْرُ التَّمَاسِيحِ فِي المَوْرِدِ
فلَا يَهْجَعُونَ إِذَا النَّاسُ نَامُوا
وَكُلٌّ عَلَى غُصْنِهِ الأَمْيدِ
كَغِرْبَانِ غَابٍ فَكَمْ مِنْ بَرِيقٍ
طَمَرْنَا مِنَ المَالِ فِي البرْجدِ
فَلَا يَنْظُرُونَ لِرِزْقِ يَدَيْهِمْ
وَأبصَارهٌم فِي المدى تَصْطَدِ
رَأَيْتُ مِنَ الصَّبْرِ فِي الأَرْضِ شَتَّى
وَصَبْرًا كَمَا الصَّخْرِ لَمْ أَشْهَدِ
فَذَا الصَّبْرُ عَادَ إِلَى المَهْدِ لَمَّا
رَآهُمْ تَبَنَّوْهُ فِي المَوْلِدِ
وَمَا الشَّعْبُ إِلَّا نَوَاصِلُ سَيْفٍ
إِذَا اسْتُلَّ لِلْحَقِّ لَمْ يُغْمِدِ
شُوَاظًا مِنَ النَّارِ وَالنُّورِ حَطَّا
عَلَى جَبْهَةِ الخَائِنِ الأَصْلَدِ
وَلَا تَأْمَنَنَّ القَرِيبَ وَحَاذِرْ
بُذُورًا نَمَتْ فِيهِ لَمْ تُحْصَدِ
وَأَخْطَرُ دَاءٍ مِنَ المَرْءِ فَتْكًا
لِمَا كَانَ فِيهِ وَلَمْ يُرْصَدِ
فَذَاكَ الخَؤُونُ الَّذِي بَاعَ عَهْدًا
وَكَبَّرَ فِي بَاحَةِ المَسْجِدِ
وَأَبْعَدَ لِلدِّينِ شَكْلٌ جَفَا
وَبَاعَ الوَفَا بِاكْتِفَاءِ اليَدِ
وَكُلُّ أَصِيلٍ إِلَى الأَصْلِ يَنْحَى
وَإِنْ جَاهَدَ النَّفْسَ لَمْ يَجْهَدِ
وَداءُ الخيانةِ دَاءٌ عُضَالٌ
يُصِيبُ عُرُوقَ الفُؤَادِ الصَّدِي
فَحَرِّرْ عُرَى الشَّعْبِ لَا تَحْقِرَنَّ
هُدُوءَا مِنَ الرِّيحِ فِي المَشْهَدِ
فَلَا تَنْدَمَنَّ فهل يُجْديَنَّ
وَظَهْرُكَ بَيْنَ الوَرَى يُجْلَدِ
فَهَلْ نِلْتَ مِنْ حِيلَةِ الكَسْبِ رِبْحًا
وَهَلْ دَامَ عِزٌّ إِلَى سَرْمَدِ
فَمَا كَانَ رِزْقًا مِنَ اليُسْرِ نَهْبًا
فَعُسْرًا إِلَى شَأْوِهِ الأَبْعَدِ
فَلَا تَدْهَشَنَّ بِمَا قَدْ تَرَاءَى
سَرَابًا مِنَ العَيْشِ مَا تَرْتَدِي
وَكُلُّ المنى منك أناَّ تَرَاهُ
سَلِيلَ الخِصَالِ بِمُسْتَبْعَدِ
رَأَيْنَاهُ فِي النًّكل مُسْتَعْمِرًا
وَلَمْ نَعْهَدِ النَّسْلَ أَنْ يَعْتَدِي
فَمَهْمَا دَفَنْتُمْ نَوَايَاكُمُ
أَيَا جنس آوَى غَدًا تَصعدِ
فَمَا ثَوْرَةُ الشَّعْبِ بِاللهِ إِلَّا
وُلُوجًا عَلَى الظُّلْمِ لِلسُّؤْدُدِ
فَمَهْمَا بَدَا اللَّيْلُ سِتْرَ الطُّغَاةِ
فَلَابُدَّ لِلشَّمْسِ أَنْ تَصمد
وَلَابُدَّ لِلْفَجْرِ مِنْ مَبْسَمٍ
وَلَابُدَّ لِلصُّبْحِ مِنْ مُرْشِدِ