خذوا عِبرًا من دولةِ الرُّوس وانظروا
فتلك بلادٌ عَزّ فيها القياصرُ
وأضحتْ بهذي الحربِ قاعًا وبلقعًا
وأمسى صغارًا ساكِنوها الأكابر
وشُتِّتَ شملُ المُلْك بعد تَجمُّعٍ
وحلّ بهم سوءُ العذابِ ودُمّروا
وصاروا حيارى في البلاد أذلّةً
وكانوا ملوكًا في البيوت فحُوصروا
تراهمْ على «الوادي» سُكارى ببُؤسهم
وما هم سكارى بالخمور فيُعذَروا
ولكنَّ دهرًا بالنوائب خانَهمْ
وجرَّعَهم كأسَ الوبال فأُسكِروا
ترى الطفلَ يبكي بالدموعِ توجُّعًا
على فقدِ أمٍّ أو قريبٍ يُشاطر
ترى الرجلَ الصّنديد يجلسُ ساهيًا
كئيبًا وفي أحواله يتذكّر
ترى الغادةَ الحسناءَ تمشي حزينةً
على بعلها أو طفلها تتأثَّر
تسير ولونُ الشَّعْر يُشبهُ حالَها
وجبهتُها نورٌ وليلٌ محيِّر
ومقلتُها تبكي ويضحكُ حسنُها
وشاراتُها لولا الملامةُ تَسحر
وأسنانُها دُرٌّ تَقادَم عهدُه
تَلي شفةً حمراءَ كالدم يقطر
وجيدٌ تحاكيه اسطوانةُ مِدفعٍ
ونهدٌ «كطوربيدٍ» ولكن مُصفَّر
تميسُ وذكرى الحرب يَخطِفُ لونَها
وأدنى كلامٍ في الفؤاد يُغيِّر
تنامُ على رملٍ وتَلتحِفُ السما
وقد تركتْ خِدْرًا بطيبٍ يعطَّر
مهاجرةً مأسورةً وهْي حرّةٌ
وخيرُ النساء الطاهراتُ الحرائر
إلى مثلها ترنو النفوسُ تأسّيًا
فقد ساءها أهلٌ أبيدوا ومَعشَر
وقد هجرتْ أوطانَها ورحالَها
وقد فاتها حَليٌ ومالٌ وجوهر
لئن ضحكتْ فالقلبُ باكٍ وآسفٌ
وإن سكتتْ فالحزنُ حاكٍ مكدِّر
وإن رقصتْ فاللهُ أدرى بفعلها
وإن فجَرتْ فالفحشُ هذا مُقدَّر
ولكنْ كريمُ النفس يرثي لحالها
ويأبى فجورًا معْ أسيرٍ يُهاجر
وخيركمُ من ساعدَ اللاءِ زرنَه
وكان على حكم القضا يتحسَّر
على مثلهنّ القلبُ يبكي تحسُّرًا
إذا كان للإنسان عقلٌ وزاجر