أَتَيتُكَ يا اللَّهُ أَحبُو وأَزحَفُ
ونِصفيْ بلا قاعٍ .. ونِصفِيَ صَفصَفُ
أتيتكَ مِن أَقصَى اللَيالي مُعَذَّبًا
وأنتَ الضِّياءُ المَحضُ تَحنو .. وتَلطُفُ
أتيتكَ يَغشاني الجَفافُ، فَها أنَا يَباسٌ
ومِن حَولي التَّبارِيحُ تَعصِفُ
تَضيقُ على صَدري الهُمومُ ولَمْ أَزَلْ
صَغيرًا .. ويا لَيتَ الهموم تُخفَّفُ
يُؤرِّقُني التَّفكيرُ يُثقِلُ خاطِري
ولا هُوَ يُنبيني ولا هُوَ يُصرَفُ
ويُرعِبُني صَمتُ الزَّوايا غُموضُها
ويَخنقُني هذا الهَواءُ المُزَيَّفُ
فأخلَعُ وَجهي حِينَ تَبلى مَلامِحِي
وأَكنِسُ ظِلِّي حِينَ يُوطَا وأجرِفُ
ويَجرَحُني خَطوِي الذي لَيسَ يَنتَهي
ويُسعِفُني حُزني الذي لَيسَ يُسعَفُ
أَنا مَن أَنا؟ فَقدُ المَسافاتِ كُلِّها..
أَنا مَن أَنا؟! ذَاكَ الضَّبابُ المُكثَّفُ
أَنا ابنُ رحيلِ المَوجِ؛ أَشعُرُ بالجَوَى
كمَا يَشعُرُ المِجدافُ حِينَ يُجَدِّفُ
ولِي فِي النَّوى بَعضُ الطُّقُوسِ،
أَجَلُّها: حَنيني صلاةٌ .. وانتِظاري تَصَوُّفُ
تُخَبِّرُني أُمِّي: حَضنتُكَ مَرَّةً،
فَأَحسَستُ شِيئًا في حناياكَ يَرجُفُ
فيَا حُزنَ (يَعقوبٍ) على فُرقَةِ ابنهِ
ويَا فَقدَ (مُوسى) وهْوَ في اليَمِّ يُقذَفُ
ويَا غُربَةَ المَعنى .. ويَا ظَمَأَ الرُّؤى
ويَا دَهشَةَ الشِّعرِ الذي لا يُؤَلَّفُ
علَى شُرفَةٍ والليلُ يَجلِسُ جَانبي
أُحَدِّقُ في الفِنجانِ حينًا وأَرشُفُ
أُحاوِلُ أَلَّا يَستَبِدَّ بيَ الهَوَى
أُحاوِلُ أَلَّا.. لكِنِ القَلبَ أَضعَفُ
جِدارًا جِدارًا يَنضجُ الوَقتُ صامِتًا
هَلِ الوَقتُ يَدري أَنَّهُ سَوفَ يُقطَفُ؟!
علَى الوَقتِ أَنْ يَدرِي،علَى السِّرِّ أنْ يَعيْ
حقِيقَتَهُ مَهما اختَفى سَوفَ يُكشَفُ
ولَا بُدَّ أَنْ تَعرَى اليَنابِيعُ كُلُّها؛
سيَأتي علَى الأَنهارِ يَومٌ وتَنشَفُ
فخُذني إلَيكَ اللَّهُ مِن عالمٍ غَدَا غَريبًا..
بهِ الإنسانُ إنْ ماتَ يُعرَفُ!