تخذ الناي له أوفى خدين
جاعلا شكواه من دنياه دين
فقد العين فلم يبق له
غير مشجي النوح في الدنيا معين
نافخا في نايه من روحه
ناشرا ذراتها في العالمين
تخذ الناي لسانا وفما
حيث يسطيع به بث الأنين
لم يجد أبلغ من أناته
منطقا يفصح عن شكوى الحزين
يشتكي كل الى صاحبه
همه واليأس ربح المشتكين
يوقظ الناي له في لحنه
ذكريات مبهمات للسنين
ضم في الروح حنينا صامتا
وغنا الناي صدى ذاك الحنين
في حنين الروح نار لو بدت
تحرق الناي وروح السامعين
روحه قد أفرغت في نايه
فاستحالت زفرات ورنين
وكأن الناي قد رق له
فغدا يبكي بكاء الثاكلين
بث بالألحان ما تعجز عن
شرحه كل لغات الناطقين
رتب الحزن له أنغامه
دون أن يأخذها عن منشدين
وحباه البؤس فنا رائعا
عجزت عنه عقول المترفين
خلته فوق ثقوب الناي إذ
يضع الأنمل وضع المبدعين
رق حتى رام اسكات فم
فاعتلت شكوى الأسى من آخرين
يبصر النور ظلاما ويرى
في الغنا نورا لنا ليس يبين
من عيون الناي أضحت عينه
تبصر الأكوان لا كالمبصرين
بعيون الناي تبكي عينه
بنشيج خانه الدمع السخين
ترسم الأنغام ان رجّعها
صورا تعجز أيدي الراسمين
فيرى في اللحن دنيا رحبة
تنجلي حينا وتخفى بعد حين
ذات أشباح كأشباح الرؤى
أو كأوهام عقول الجاهلين
إن في الألحان دنيا رحبة
عميت عنها عيون الناظرين