تخطَّ إلى المحتوى

غير معروف

٤٥ بيت

المتفرقات

أنا المزدحمُ بي..

كغابةٍ نسيَ الحطّابونَ فؤوسهم في جذوعها.

كلما حاولتُ أن أخرجَ مني،

اصطدمتُ بجلدِي..

هذا الجدارُ الرقيقُ الذي يفصلُ "الجنون" عن "الشارع".

أتفحصُ يدي..

هل هذه الخطوطُ المتعرجةُ في كفي هي طريقي؟

أم أنها مجردُ شروخٍ في طينِ الروح،

تركها صانعُ الفخارِ ومضى..

قبل أن يُكملَ شيَّنا في فرنِ التجربة؟

في العتمةِ..

حين تتشابهُ الأشياءُ وتفقدُ الأسماءُ سطوتها،

أجلسُ لأحاورَ ظلي.

إنه الكائنُ الوحيدُ الذي لا يخون،

لكنهُ أيضاً.. لا ينجد.

يقلّدُ انحنائي، وسقوطي، وانكساري،

ببرودٍ قاتل.

قلتُ له مرةً: "اسبقني لتدلني على الطريق".

فضحكَ بصمتٍ، وتمطّى أمامي طويلاً،

ليقولَ لي:

"أنا لا أصنعُ الضوءَ يا سيدي..

أنا فقط.. حفيدُ عتمتك".

نحنُ لا نموتُ فجأة.

الموتُ فكرةٌ كسولةٌ جداً.

نحنُ نتآكل..

كما يتآكلُ حجرٌ في مجرى نهر.

تسقطُ منا الرغباتُ أولاً،

ثم الدهشة،

ثم الأسماء،

وحين نصبحُ خفيفين جداً، وشفافين كالهواء،

يأتي الغيابُ ليجمعنا في سلةِ النسيان.

نحنُ لم نكنْ أبطالاً في الرواية،

كنا مجردَ فواصلَ ونقاط،

وُضعتْ لكي يلتقطَ الزمنُ أنفاسه..

بين كارثةٍ وأخرى.

يا إلهَ التفاصيلِ الصغيرة..

لماذا منحتنا أجنحةً في الخيال،

وأقداماً من رصاصٍ في الواقع؟

لماذا جعلتَ الذاكرةَ قفصاً،

والنسيانَ عصفوراً يقفُ دائماً على النافذةِ من الخارج؟

سأتركُ البابَ موارباً الليلة..

ليس ليدخلَ الضيوف،

بل لتخرجَ روحي،

وتتمشى قليلاً في الحديقة..

دون أن يثقلها جسدي المتعب.