يُغادرنا مَنْ نُرَجِّي انتفاعَهْ
ويُمنَع من لا نحبّ امتناعَهْ
ويقطعُنا من نرَى قربَهُ
ويوصلْنا من نَودُّ انقطاعه
ويَبعُدُ عنا الذي نشتهي
ويقرُبُ مَنْ نتمنَّى اندفاعه
وما الدهر إلا العدو المبين
إذا شام خرقًا أحبَّ اتِّسَاعه
توعَّدَ أبناءه بالقتال
وشَمَّر للطعن فيهم ذراعه
وأثخن منهم جراح الأسى
ولما رأى الموتَ سرّاً أذاعه
وأقسم لا نال إلا الكرامَ
وأهلَ العفاف وأهل القناعه
تَخرَّمهم واحدًا واحدًا
وما كان يقبل فيهم شفاعه
فيا ليتَه مال للعلم يومًا
وأبقَى إلى طالبيه «رفاعه»
هُمام تمكَّن من كل فنٍّ
ومكَّن في كل علم يَراعه
ومُبْتدعٌ زان منه ابتداعٌ
ومخترعٌ قد أجاد اختراعه
له منطق للعَلاءِ سليمٌ
ومعقولُه يستحقّ اتباعه
وحافظةٌ كلَّما قيَّدَتْ
من العلم شيئًا أمِنّا ضياعه
قليل النظير إذا قِسْتَه
بعيدُ المنال كثير البضاعه
حكَى طرفًا منه ضخْمَ المحيط
فأحرز ممَّا جناه متاعه
وصحَّ الصحاحُ به مُذْ رَواه
وزيَّن من راحتيه رقاعه
حوى العلم، والحِلْمَ، والملك، وال
عدالةَ، والظرف، ثم الشجاعه
عهدناه في المجد لما ابتدا
فأحسن في الإبتداء البراعه
وأوسع في الجدِّ حتى انتهَى
وأتقن في كل فَنٍّ صناعه
أنار مسائلَنا ذهنُه
فمشكلها قد أرانا شعاعه
وربَّى المدارسَ في مصرَ حتى
ملا من تلاميذه القُطْرُ صاعه
لقد كان كالفلك في بحر علمٍ
يقلِّبُ بالطِّرْسِ فيه شراعه
فإن رام يرقَى سماء العلا
لنيل كواكبه مدَّ باعه
ومفتخرٍ لم يَجِدْ فخرَه
ومرتفع لا يساوي ارتفاعه
ودَعْناه في الترْبِ رغمًا ولم
تكن تبلغ النفسُ يومًا وداعه
وقَضَّى من العمر فينا سنينًا
فلم تَكُ من لطفها غيرَ ساعه
كأن النَّسيم التي تَسْترقُّ
رطيبَ الغصون استرقَّتْ طباعه
لقد كان يافعةً لا يُبارى
فحيَّاه غيثٌ وحيَّا بقاعه
وبَرَّدَ مَضْجعَه وابلٌ
بجنّاتِ خُلْدٍ يُديم اضطجاعه
وصلَّى الإله على جَدِّه
ومنا تُصلِّي عليه الجماعه