بقاء الفتى سؤلٌ تُرَدُّ دعاتُهُ
وداء الردى داءٌ تخيب شُفاتُهُ
وآخر عمر المرء حتفٌ يزوره
به تستوي نُعَّاتُه ونُعَاته
ودأب الورى ترقيعُ غير حِمامها
فإن حل موتٌ أعجزت رقعاته
وإن الفتى يأتي الصعاب بعقله
وعند زؤام الموت تَعيَى حصاته
وهيهات رد الحَيْنِ بعد وروده
كجمرٍ ثنت عن قبضه لذعاته
وما المرءُ إلا خافتٌ بعد خافتٍ
فغاية كلٍّ صمته وخفاته
وباب الردى لابد تدخلُه الورى
وتأتي إليه خاضعين أُباته
فإن الردى ميزانُ تسويةِ الورى
وميدانُ سبقٍ لا تؤوب مُشاته
فسِيّان أحباب الأمير وجنده
وسيان أحباب الفتى وعُداته
وسيان نفسٌ للمليك وغيرها
وسيان أبناءٌ له ولِداته
على أنّ سهم الثّكل لابد نافذٌ
فكيف تُرجَّى للمليك نَجاته؟
أما ماتَ توفيقُ العزيزُ محمدٌ
تزعزعَ من طود الكمال ثَباته
لقد ضُمِّنت أكفانُه العدلَ والتّقى
وساقت إلى التّرب العفافَ ثُباته
وسارت به نحو التّراب لدفنه
وكانت ذرا العلياء قبل طِياته
فإن ضمّه قبرٌ يضيق عن النّدى
فقد رحُبتْ بالمشرقين هِباته
وإن سوَّد الأيامَ حالكُ خطبه
فقد بَيّضتْ صُحْفَ الطروس صِفاته
وإن أذهب الصّبرَ الجميلَ رحيلُه
فقد أبقتِ الذكرَ الجليلَ حياته
وإن حال دون المدحِ عاملُ فقده
فقد نصبت سوق الرثاء وفاته
وإن نسيَ الأفضال حادث رزئه
فقد ذكرت عهدَ السّخاء وصاته
وإن جزمَ الأفراحَ أمرُ مُصابه
فقد رفعتْ شأن الثّبات سراته
وإن ترك الأكبادَ في شِقوة اللّظى
فقد شيّعته للنعيمِ لُماته
وإن وصلَ الإحسانَ جودًا وُجُودُه
فقد قطع الأحشاءَ حُزنًا مماته
وإن قتلَ الأيام علمًا وخبرة
فقد أحيت الليلَ البهيمَ صَلاَته
وإن ضاعَ ماءُ العين يومَ فراقه
فقد حفظت ماء الحياء صِلاَته
وإن غاب عن عين الرعايا سخاؤه
«فعباس حلمي» قد بدتْ حسناته
مليكٌ أقام الرّعب في قلبِ مَنْ غوى
بصمصام عزمٍ لا تُفَلّ ظُباته
مليكٌ له في العلم أكبرُ هِمّةٍ
فلا ريب في أن العلوم هُداته
رعتْك العُلا من شرّ كلّ منافقٍ
يحاول أمرًا والمراد جهاته
فإن أغضبَ الأعداء بأسُك فيهم
فأنت الذي تُرضي الأنام أناته
وإن سرَّهم سنّ الشباب لغايةٍ
فأنت الذي تدمي العدا وثباته
وإن غرّهم ماضي الزّمان لحكمةٍ
فهذا زمانٌ لا تراع رعاته
وإن أمسكتْ أيدي سِواك عن النّدى
فأنت الذي لا شك تندى صفاته
فلا زلتَ غوثًا ما ترنّم طائرٌ
وما أعربتْ عن حاله سَجَعاته
ولا زال توفيقٌ يحفّ بقبره
رضا الله ما دامت عليه سفاته
وما قال راثيه «زكي» بحسرةٍ
بقاء الفتى سؤلٌ تُرَدُّ دعاته