أيقظتَ فيَّ كوامنَ الأشْجانِ
وعَقَلْتَ منِّي يا أُخَيَّ بياني
وقَتلْتَ أشواقَ الفؤاد وليدةً
تحتفُّها الذكرى فتَبْتَسمان
والمرءُ لولا الذكرياتُ لَزَلْزَلَتْ
منه المآسِي مَرْبَضَ الإيمان
يا بنَ الحياة تصول فيها عاتيًا
حتى كأنك ذِمَّةُ الشيطان
آياتُ ربك في الحياة كثيرةٌ
منها تبيَّنُ ضالَّةُ الإنسان
والموتُ آيتُه التي كَبُرَتْ على
قِيَم العقول وقدرة الأذهان
والموتُ بلسمُ كلِّ جُرْحٍ راعِفٍ
في القلب من بغيٍ ومن عدوان
والموتُ راحة كل نفسٍ حرّةٍ
لاقتْ من الدنيا أذى الحِرْمان
إنّ النفوس إذا ترهَّف حسُّها
كَسَتِ الحياةَ من السُّمُوِّ معاني
يا موتُ لي في دفَّتيكَ وديعةٌ
أشواقُ روحي عندها وأماني
رُحْماك إسماعيلُ لم أكُ ذائقًا
من قَبْل فقْدك فُرْقةَ الخِلاّن
قَطَّعْتَ قلبي يا أُخَيَّ وإنَّنِي
لأذوب تَحْنانًا إلى إخْواني
مَنْ جرَّبَ الخِلاّنَ تجرِبتي لهم
لم يلقَ عُجْبًا في لظى أحزاني
جرَّبْتُ أبناء َالزمان فلم أجد
منهم سوى ما قد يَشِين زماني
ولعل أقصى ما يُرَجِّيهِ الفَتَى
لُقْيا صديقٍ طاهر الوُجْدان
أمّلتُ إسماعيلُ أني واجدٌ
في الموصل الحدباء بردَ جَناني
لما رأيتُكَ في النَّديِّ مُغرِّدًا
كالعندليب روائعَ الألحان
وخَبِرْتُ طهْرك من قريبٍ مثلما
خَبر الطبيبُ مواجع الأبدان
لكنَّ آمالي كحظِّي سامها
قدرٌ يخطّ مصايرَ الإنسان
فرجعت أدراجي أُجَرْجِرُ حسرتي
وأشدُّ من هول المصاب كياني
وقبعت أندبُ حظَّ كل مُخَيَّبٍ
مثلي على هذا الوجود الفاني
أَأُخَيَّ إسماعيلُ عفوَكَ أرتجي
إن قصَّر التأبين عنه بياني
فالحزنُ للنفس الرهيفة قاتلٌ
وأخو الشعور معذّب الوجدان
فاسمعْ أحاديثَ الفؤاد فإنما
قلبي الذي يحكي وليس لساني
أَتُراكَ تذكر في النديِّ نشيدَنا
والبِشْرُ يرقص، والقلوب هواني؟
والمضحكاتُ من النكات ضواحكٌ
من بعضها كرغائب الإنسان؟
أيامَ كنا في لذائذ أمننا
لم يجرِ ريبُ الدهر في الحسبان
واليومَ أرسل في المكان نواظري
فتعود منه بصفقة الخسران
ما أقصرَ الأيامَ حين تريدها
صَفْوًا وأطولَها لدى الأشجان
أَأُخيَّ إسماعيلُ والذكرَى صَدىً
بعدَ الرحيل يرنُّ في الأزمان
طوبَى لمن تركتْ له آثارُهُ
عَبَقًا يفوحُ بأضْلعٍ وحوان
قسمًا ستحتفظ القلوبُ بذكركم
رمزَ الإخاءِ كسُورةِ القرآن
وأظلُّ أذكركَ الحياةَ بطولِها
حتى يُدانِي الموتُ منكَ مكاني