في ساعةٍ ذهب الصديقُ، فلا صديقْ
وانفضَّ أحبابي وسُمّار الطريقْ
وبقيتُ وحدي مفردًا كلِّي همومْ
والكون في عينيَّ من ضيقي يضيق
وحسبت يأسي قد تسرَّب واستطاعْ
صعْق العزيمةِ والمبادئ بالحريق
ولوِ استطاع الدهر هدْمي من زمانْ
لترنَّحت روحي تحاول أن تفيق
لكنني مرُّ المذاق على الدوامْ
سهلُ المنال قريب حبٍّ للصديق
وحسبتُ كلَّ الناس أحبابي الكرامْ
وتَخِذْتُهم درعي لدى كربٍ وضيق
فتولَّتِ الدنيا وولُّوني الوجوهْ
وبقيت مطحونًا أناطحُ لا أفيق
وبحثت في كُتْبي وأسفار العهودْ
قلَّبتُ أشعاري وذي فيها خلود
فقرأت أحبابي عهودًا من شبابْ
ورأيتُ أصحابي ويوم اخضرَّ عُود
وسألت هذا أو سألت أخًا أراهْ
درعي حصينًا لا أرى عنه الصدود
ألجأت ظهري للقوي جرَّ الضعيفْ
ولجأت للضعفاء في ساعِ الشرود
فضِعافُهم كانوا كرامًا مُكْرمينْ
قد أشبعوا جُوْعي فرُحتُ إلى الوجود
وعجبتُ من دهري وفي دهري عُجابْ
أين الجزاءُ وأين حقي في الصحاب
أين المكارمُ والأيادي في زوالْ
أين المجالس والمؤانس والشراب
أين الفلوس أضاعَها فيكم فقيرْ
من فقره رضيَ الحياة مع العذاب
لم يُصْلَ نارَ الفقر يومًا حيث عاشْ
صَخْرًا عنيدًا ليس يرضى بالعقاب
بل إنني روضٌ أغنُّ به زهورْ
وبراعمي مترعرعاتٌ في شباب
وخمائلي خضر البساط كأنها
فوق الغواني أُلبستْ خُضْرَ الثياب
زَرعْي ينابيعي أفانيني الكبارْ
ثمرٌ وفيّاضٌ وفينانُ الثمارْ
أيكٌ أغنُّ بشعر أبناءٍ فِصاحْ
نسجوا على نسْجي وغزلُهمُ استدار
قوِيَتْ شكيمتهم فعاشوا أقوياءْ
وتدثَّروا الحُسْنى وساروا في وَقار
بثُّوا المعارفَ في الكؤوس لخيرِ جيلْ
شربوا دِنانًا خمرُها عَدْلَ المدار
الضادُ ساقيةٌ والفنُّ يرقصهم
والنايُ شاعرُ حيِّهم حيثْ استدار
يا ربِّ حمدًا يا إله الكائناتْ
حُسن الختامِ وآتِنا بالطيبات
وعلى الطريقِ السهل ألهمْنا الدليلْ
للحق فيه الطيبات الصالحات
واجعلْ ذرارينا صلاحًا في ازديادْ
يسري بأعماق الورى بالباقيات
أسعِدْ بهم روحي ولا تجعلْ يدي
مهزوزةً حيْرَى إلى يوم الممات