أُحاجيكَ هل كالعدل للنَّاس مطلبُ
تهشُّ له نفسُ المَضِيْمِ وتطربُ
إذا غابَ عن قومٍ رأيتَ قلوبَهم
تَتوقُ إلى مَرْآهُ أيَّان يذهب
فيا عدلُ ما أَسْنَاكَ في عينٍ ناظرٍ
يُضيءُ بها من وجهكَ الغضِّ كوكب
حَلَلْتَ بأرضٍ زارها يومَ زُرتَها
من الغيث هطَّالٌ به الجدبُ مُخصِب
ولولاكَ فيها ما تألَّق بدرُها
ولا انْجَابَ من ليل المظالم غيهب
ولولاك في الدُّنيا استباحت لحومَنا
ضِباعٌ يُمزِّقنَ الجُسُوْمَ وأَذْؤُبُ
فَمِنْ عجبٍ أنْ يجحدوكَ ويُنْكِروا
وجودكَ في أرجائها وهو أعجب
وليس نكيراً أن يُرى لكَ جاحدٌ
بآلائكَ الحُسنى عليه يُكذِّب
هي الشمسُ تبدو للبصيرِ مضيئةً
ولكنها عن أَرْمَدِ العينِ تُحْجَب
مَنحتَ الورى يا عدلُ عِزّاً ومنعةً
فأنتَ لدينا ما أقمتَ مُحَبّب
ولو كنتَ شخصاً كنتَ أولى بسُدَّةٍ
وأجدرُ أن يَحمي ركابَكَ مَوكب
وما غرَّ قومَ الغَرْبِ إلا صحائفٌ
لها الغَيُّ والبهتانُ دينٌ ومَذْهب
أُبرِّئ منها بعضَها غيرَ جاهلٍ
ففيها ولم أكذبْ خبيثٌ وطيّب
وشَيخٌ مُسِنٌّ رامَ إشعالَ ثورةٍ
يَخُوضُ لَظَاها والأسنَّةُ مركب
يَثور كَأَنْ لم يقبلِ الطَّعنَ رأيُه
ويُرغي إذا ضلَّ السبيلَ ويَصْخَب
وكَمْ خَدعَ الأحرارَ حتى تبيّنوا
فَأَضْحى وأَمْسَى وهو أعزلُ أَجْنَب
فرفقاً به حتى يُثير بسخطهِ
أشدّاءَ إنْ يركبْ إلى الموت يَرْكَبُوا
وكيف يقودُ الآمنينَ لفتنةٍ
لها وجهُ مصرٍ يكفهرُّ ويقطب
صَغَائِرُ فيها للغبيّ دعابةٌ
يُسَرُّ بها من شاء يلهو ويلعب
ولو كان يَدري ما عَواقبُ أمرِها
لباتَ حسيرَ الطَّرْفِ يبكي ويندب
وما الناسُ إلاَّ اثنانِ صاحبُ همَّةٍ
يَنالُ الذي يَبْغِيْ وعانٍ مُخيَّب
بَني مصرَ إياكم وكيدَ عدوِّها
فما هو إلا الأَرْقَمُ المتقلِّب
خذوا مصرَ من أيدي العدوّ لترتقي
ويَعْنو لها بالعلم شرقٌ ومَغْرِب
فلو حلَّها أهلُ الفَسادِ لأصْبَحتْ
بلاداً يعُفِّيها الفسادُ فَتَخْرب
وتُمسي كما كانت ربوعاً هَضِيْمَةً
عليها وفيها أبقعُ اللونِ يَنْعَب
وَسالتْ وهادُ الأرض بالدّمِ يلتوي
كَرَقْشٍ لها في الأرض مَسْرًى ومَسْرب
وفاضَتْ بأسراب العِتَاقِ فهيكلٌ
على إثره مثلُ السَّحوقِ مُشذَّب
هنالك نحسو المرَّ من كفِّ ظالمٍ
يَدورُ بكاساتِ الهوانِ فَنَشْرب
وفيما مضى من غابر الظُّلم عِبْرةٌ
لقومٍ أذلّتهم عصورٌ وأَحْقُبُ
نَكَالٌ وجَورٌ وانتقامٌ وسخرةٌ
وهضمُ حقوقٍ من يد الشَّعب تُغْصَب
وقد قبلوا إمّا حياةً بذلةٍ
وإمّا مماتاً وهو في اليأس يعذب
كذلك يستمري المنونَ وطعمَها
إذا ركب اليأسَ المُضِيْمُ المعذَّب
رويداً رجالَ الغربِ لستُ بناطقٍ
جُزافاً ولكنّي عن الحقِّ مُعْرِب
فلا تُحْرِجُوا صدرَ الحليمِ بغيظهِ
ولا تَكْفِرُوا الحُسْنى فَتَرْدُوا وتَنْكَبُوا
ولا تُفْعِمُوا دَلْوَ العَدَاءِ فرُبَّما
تَخونُ حبالُ الدَّلو أو تَتَقَضَّب
أُحبُّ لقومي كلَّ خيرٍ ونعمةٍ
وأرجو لهم أسمى الذي يتَطلّب
فإن عشقوا هَجْوِي عَشِقْتُ مديحَهم
ورحتُ ولي آيٌ من الحمد تُكتب
ومن يَجْفُنِيْ منهم جَزَيْتُ جفاءَه
بودٍّ وهمِّي قربَه لا التَّجنُّب
على كلِّ حالٍ أحسنَ اللّهُ حالَهم
وجادَ مغانيهم من الخير صَيِّب
إذا قيل لي من أنتَ قلتُ أخو نُهًى
إلى النيل يُعزى أو إلى مصرَ يُنْسَب