ما بالُ دمعكَ لا هامٍ ولا جارِِ
هل اكتفيتَ بما في القلب من نارِ
جفّتْ دموعُكَ من عينيكَ واستترتْ
فيها لواعجُ أحزانٍ وأكدار
ضاع الصوابُ ونفسُ المرءِ ساهمةٌ
ما بين أقضيةٍ تجري وأقدار
بينا الفتى يطأ الدنيا بأخمصهِ
صبحاً إذا هو أمسى رهنَ أحجار
يا طائرَ البينِ لا قرّبتَ من سكنٍ
ولا هدأت بأفنانٍ وأوكار
نعيتَ خيرَ فتًى كنّا نُؤمّله
يومَ الرجاءِ لأوطانٍ وأوطار
فاخلعْ علينا جناحاً منكَ نلبسُه
حزنًا على صادق العزماتِ مِغوار
أودى الهزبرُ فهل من بعده أسدٌ
عَبْلُ الذراعين يحمي حوزةَ الدار
ليت المنون التي أصمتْه ما علقتْ
إلا بكلّ خؤونِ العهد غدّار
فليمرحِ الذئبُ ما شاءتْ مهانتُه
فقد عفتْ عنه عينُ الضيغمِ الضاري
لا أيّدَ اللهُ أعداءً أذلّهمُ
حتى أقاموا بدار الذلِّ والعار
إن يشمتوا فكؤوسُ الموتِ دائرةٌ
يأتي على الناس ساقيها بأدوار
يا بائعَ الصبرِ إن الناسَ في جزعٍ
فبعْ لهم كلَّ مثقالٍ بدينار
لا كانَ يومٌ دفنّا عند مغربهِ
بدرَ السناءِ خبا من بعد إسفار
ما زال يدأب حتى خانه قدرٌ
ألقى إليه عصا دَأْبٍ وتَسيار
أبدى الأطبّاءُ ما أخفتْ ضمائرُهم
خوفَ الهلوعِ وباحوا بعد إضمار
قالوا براه سُرًى أدمى حشاشتَه
فعاد منه طريحاً نِضْوَ أسفار
نعم براه رقيُّ الصعبِ يومَ جرى
يُسابق الشمسَ في بِيدٍ وأمصار
فلم يجد منبراً إلاّ أسرّ له
ما بالجوانح من شجوٍ وأسرار
ولم يجد معركاً إلاّ أنافَ بهِ
والموتُ ما بين إقبالٍ وإدبار
وكم تهاونَ بالأيام تدفعه
إلى مواقفِ أهوالٍ وأخطار
وكم أهابَ وكفُّ الدهرِ صائلُةٌ
على العبِاد بعزمٍ غيرِ خَوّار
فما تراجعَ حتى فلَّ مقولُه
حسامَ كلِّ عنيدِ الرأيِ جبّار
له اليراعُ الذي كانت تُجرّده
كفُّ الزمانِ لإيرادٍ وإصدار
خُذْ عنه رأيَ بني «التاميزِ» قاطبةً
محافظين ذوي حقدٍ وأحرار
وسل «جرايَ» يُخبِّر أنه قلمٌ
قد كاد يصرعه في كلّ إنذار
تكفي الشهادةُ في الدنيا لطالبها
من معشرٍ عرفوه بعد إنكار
فإنْ ضحى ظلُّه أحيتْ محامدَه
آثارُ أبلَجَ بَزّتْ كلَّ آثار
أعزِزْ على حامليه فوق أعينهم
أن يرجعوا بأكفٍّ منه أصفار
كأنما النعشُ عرشٌ زانه ملكٌ
يمشي الهوينى بإجلالٍ وإكبار
كأنما العلمُ المصريُّ جلّله
دمٌ ترقرقَ فوق المنصلِ العاري
كأنما الرايةُ الخضراء خافقةً
جناحُ جبريلَ يغشى صاحبَ الغار
كأن ذاك السوادَ الجونَ مرتفعاً
سُحْمٌ من الطير حطّتْ فوق أشجار
كأنما الناسُ حول النعشِ مائجةً
أمواجُ مضطربِ الآذيِّ زَخّار
فلو يُعدّون ما أوفى بهم عددٌ
كصيّبِ القطرِ لا يُحصى بمقدار
كأن أدمعهم تنهلُّ واكفةً
تَهطالُ غيثٍ مُلثِّ الودقِ مِدرار
كأن أعينَهم والحزنُ يقرحها
من البكاء زنادُ القادحِ الواري
كأنما لجبُ الباكين من هلعٍ
هزيمُ رعدٍ أجشُّ الصوتِ هدّار
كأنما السهلُ طِرْسٌ فيه قد نُظِمتْ
من الهموم صُفوفٌ مثلُ أسطار
كأنما الأرضُ قد سُدّتْ طرائقُها
بالناس من ثابتٍ فيها وسَيّار
أقبرُ كاملَ بالصحراء وجهتُهم
يبدو لهم بين أضواءٍ وأنوار
أم حجرةُ المصطفى من يثربَ انتقلتْ
والناسُ ما بين طَوّافٍ وزَوّار؟
يا من لبستَ من العلياء أنفسَها
كيف ارتضيتَ بأسمالٍ وأطمار
وكيف خلّفتَ شوطَ المجدِ ينهبه
قومٌ شأوتَهمُ في كلّ مِضمار
وكيف أصحرتَ في بيداءَ بلقعةٍ
نزلتَها بين إمحالٍ وإقفار
شُلّتْ يدُ الموتِ ما أقساه مُفترساً
أنحى عليكَ بأنيابٍ وأظفار
إنّا أمنّا من الأيام غائلَها
ومن حتوف الليالي خوضَ أغمار
هيهات يثأر ريبُ الدهرِ من أحدٍ
إذ ليس بعدكَ ما يدعو إلى الثار
شَقّتْ عليكَ الغواني وهي سافرةٌ
سُودَ الثيابِ ولم تعبأ بأنظار
رأينَ أن دموع القومِ حائلةٌ
فلم يقفنَ حياءً خلف أستار
وقد ظننتُ السحابَ الجودَ منهمرًا
حتى التفتُّ فكان المدمعَ الجاري
نَمْ هادئَ الطرفِ واتركْ كلَّ مُعضلةٍ
من الأمور لأعوانٍ وأنصار
فقد غرستَ بوادي النيل نابتةً
علّمتَها كيف تأتينا بأثمار
غادرتَ أجفانَهم مذ غبتَ ساهدةً
كأن أهدابها شُدّتْ بأسيار
كأن صبغ الدجى حبّاتُ أفئدةٍ
ذابت لفقدكَ أو أحداقُ أبصار
في ذمّة اللهِ يا من حين أذكره
تجري الدموعُ دماً في كلّ تَذكار
خذْ من رياض القوافي كلَّ عاطرةٍ
تُغني ضريحَكَ عن باقات أزهار
لكَ الفراديسُ فانزلْ من أرائكها
في ظل دانية الاغصانِ مِعطار
وَقْفٌ عليكَ رثاءٌ لا سواكَ له
أنتَ الشريفُ وهذا دمعُ مِهيار