يَجُرُّ الصَّمْتُ من جَوْفي الحُروفا
وجَوْفي صارَ مُهْتَرِئًا نَزيفا
يُمزِّق نزعُها الأوصالَ حتّى
كأنّي قد سّمِعْتُ لها حَفيفا
كَبَيْتِ العَنْكبوتِ غَدَتْ صُروحي
أدارَ المَشْرِقانِ بها الصُّروفا
ولو أنّ السّماءَ لها جُفونٌ
لَفاضَ الدَّمعُ مُنْهَمِلًا وَكِيفا
تَهَشَّمَتِ الأماني خِلتُ ظِلّي
على تَلِّ العُلا قَصْرًا مَنيفا
فإذ بالظِّلِّ يخبو مُشْمَئِزًّا
من الخُطواتِ مُنْتَكِسًا عَزوفا
يكادُ يُفارِقُ الجَسَدَ المُعَنّى
من الأثْقالِ مُبْتَئِسًا أسيفا
تَشَبَّثَ بالتُّرابِ يَشُمُّ فيه
قُرونَ العِزِّ يلتَمِسُ السُّيوفا
وفي آثارِه ذِكرى جُدودٍ
شموسٌ لم تُوَرِّثْنا كُسوفا
يُفَتِّشُ عن مَرافئَ مُثْخَناتٍ
وحيدًا لم يَجِدْ فيها رَديفا
ويَنْهَضُ مِثْلَ عَنقاءٍ ويَرْوي
مآثِرَنا ويَزْدَجِرُ السُّدوفا
ظِلالٌ نحنُ والأطْلالُ قاعٌ
فسيحٌ قد أَطَلْتُ به الوُقوفا
مَرايايَ الّتي صَوَّرْتُ فيها
شُموخي أخْلَقَتْ نَجْمي الشَّريفا
وحَولي صورَةُ الأشْباحِ سُورٌ
عظيمٌ يَحْجِبُ الحُلْمَ الرَّفيفا
طَوَيْتُ الكَونَ أهرُبُ نحوَ حُلْمي
فكانَ الحُلْمَ في وَطني مُخيفا
رَسَمْتُ من الكَلامِ رَبيعَ شِعْرٍ
وقومي يَرْسُمونَ لنا خَريفا
أسيرُ وحَوْليَ السّارونَ رَسْمٌ
عفا والرُّوحُ قد ذابَتْ عُكوفا
كأنَّ النّاسَ آلاتٌ بجُرْفٍ
مِن الحاجاتِ تَسْتَبِقُ الحُتوفا
هياكِلُ تَسْتَحِثُّ الكُرْهَ حَتّى
غدا لونُ القَتامِ بنا كَثيفا
تحَجَّرَ صَوْتُنا حتّى كأنّا
سَكَنّا مِن مواجِعِنا الكُهوفا
فمَن ذا يبعَثُ الجَسَدَ المُعَنّى
مِن الأطلالِ مُبْتَهِجًا شَغوفا
خبا بَدْرُ العُروبَةِ أينَ صِرنا
وكانَ يُنيرُ في الأُفْقِ السُّدوفا
وما لِلْقاعِ نهبِطُه جميعًا
وقد كُنّا بِرابِيَةٍ وُقوفا
يَرِفُّ لِواءَ خَيْبَتِنا كَسيرًا
وفُرقَتُنا تُمَزِّقُه أُلوفا
وسُحْبُ الشَّكِّ حاجِبَةٌ رُؤانا
بأُفْقٍ ناءَ بالبَلوى أسيفا
متى يَنْداحُ هذا اللّيلُ حتّى
يَكُفُّ الدَّهرُ عن قومي الصّروفا؟