مِنْ هنا
مِنْ منزلٍ
في بلدةٍ يحضُنُها وادٍ عميقٌ
وعلى أكتافِها
تغفو كرومُ العنبِ الخضراءُ
في صيفٍ
بطيءَ الخَطْوِ يأتي
أطُلِقُ الصّوتَ
قويًّا ونديًّا :
أيّها الوادي
إذا كنتَ ستُصغي لغريبٍ
لمْ يزلْ مِعطَفُهُ
يحملُ بعضًا مِنْ غبارٍ
لا يحبُّ النّومَ
إلّا فوق أرضٍ جاء منها
فاستمِعْ
كنْ طيّبًا
شهمًا
كريمًا
مِثْلَ أمّي
واحتملْني
كي أقولَ الشِّعرَ
للدُّنيا بعيدًا
عن قصورِ الخلفاءْ
ولكي أنسى سنينًا
كبّلتْ بَوحي طويلًا
وسقتْني خمرَها
سُمًّا وداءْ
فأنادي :
أيّها الكُرديُّ
قُمْ
أطلِقْ جناحيكَ
لريحٍ تعرفُ اليومَ
إلى أينَ ستمضي
ومتى تُلقي
صخورَ الصّحوِ نيرانًا على الموتى
لتستيقظَ أنفاسٌ لهمْ
أرهقَها عَصْفُ الغباءْ
إنّهُ عرسُ الدّوالي
فانتظِرْ ما هو أحلى :
رقصةَ البحرِ
على إيقاعِ أنغامِ صبايا
لمْ يزلْنَ المُشتهى
في حُلْمِ شبّانٍ مضوا للحربِ
حتّى لا يموتوا بأيادٍ
ليس فيها غيرُ سكّينٍ
بها تُقطَعُ أعناقُ الأغاني
وثيابًا نسجتْها أمّهاتٌ
تحتَ أضواءِ سِراجٍ هَرِمٍ
أتعبَهُ طولُ المساءْ
وكتابًا صادقًا
أفصحَ مِنْ كلِّ سيوفِ الحقدِ والبلوى
وأقلامًا لأطفالٍ
سيأتونَ
وفي غيماتِهمْ شلّالُ ماءْ
وانتظرْ مِثْلي
فهذا السّجنُ
لن يبقى
وهذا القحْطُ
لن يبقى
وهذا الرُّعبُ
لن يبقى
وعدوانُ الأفاعي
لزوالٍ وانتهاءْ
أيّها الكرديُّ
عُدْ مِنْ قفْرِكَ
انهَضْ
واغتسِلْ
مِنْ غبرةِ الآخَرِ
ذاكَ الواهمُ القائلُ :
إنّي مطرٌ
أَهمي
فأسقي نبْتَ غيري
وهْوَ لمْ يُمطِرْ
سوى رملِ بلاءْ
وسطَا يومًا
على مصباحِكَ الهادي
وأعطاكَ سوادًا
تُهتَ في أرجائِهِ
فاقفِزْ
وحطِّمْ قيدَكَ الدّامي
وكنْ عُشبةَ حُسْنٍ
في براري شرقِنا
إنّكَ أقوى
مِنْ وحوشِ القهرِ
أقوى
مِنْ بحارِ الحقدِ
أقوى
مِنْ لهيبِ الموتِ
هيّا
أيّها الكُرديُّ
فاكتبْ غدَكَ الآتيْ
بحبرِ الأنقياءْ
وقلِ :
اليومُ لمِثْلي
وليَ الخُلْدُ رِداءْ