حيّ الديارَ عرفْتُها بضراسِ
حتّى وإنْ جُبلتْ على الإخراسِ
قَذفَ الأتيُّ بِها وعرّى حسنَها
ولقد كستْها الريحُ شرَّ لباسِ
كنّا نهيمُ بنخلِها وبأهلِها
نلقي الرِّحالَ بأطيبِ الأغراسِ
كانتْ تناولكَ الحياءَ عفيفةٌ
بعيونِ مغزلةٍ أوتْ لكناسِ
جيداء جلّلها الجمالُ وقد صفا
منْها الأديمُ كصفحةِ القرطاسِ
إلّا نقاطًا ضاعفتْ فتناتِها
مَبثوثةً في قدّها الميّاسِ
حبلتْكَ إذ ثوبُ الليالي لم يكنْ
في طولِ ما بينَ الرياضِ وفاسِ
أزرى بعاشقِها تطاولُ ليلِهِ
يُمسي رهينَ سلاسلِ الوسواسِ
ولقد يُميتُ اليأسَ موعدُ كاعبٍ
فَقبلتُها مِن مُشفقٍ ومُواسِ
فيبيتُ للإخلافِ أطولَ ليلةٍ
صبُّ يُجرّعُ من سمامِ الياسِ
إنّ النساءَ ووصْلُهنَّ هو الشفا
وصدودُهنَّ من الأذى والباسِ
يذكرْنَكَ الدنيا وطولَ مطالِها
بنعومةٍ أو حدّةِ الأمواسِ
فإذا أصبتَ من الزمانِ حلاوةً
فمريرُهُ في الكأس بعد الكاسِ
لا يخدعِ الشبّانَ منهم شرّةٌ
فليخلعنَّ الدهرَ كسوةَ كاسي
فاغنم حَماسَكَ في زمانِ شبيبةٍ
قبلَ التقوّس وارتحالِ حماسِ
وإذا الشبابُ إلى ظلامِ غوايةٍ
فلدى النوائبِ شعلةُ الأقباسِ
ولسوفَ تشتعلُ النهى حتّى ترى
لهبَ التجاربِ ضاحكًا في الراسِ
كالليلِ داهمَهُ الصباحُ بهجمةٍ
إذ ليسَ ينفعُ قارعُ الأجراسِ
وستستبينُ لكلِّ غرٍّ حينَها
تلكَ المجاهلُ بعدَ طولِ مراسِ
إنّي خبرتُ الناسَ لكنْ أدّعي
جهلي بهم لأعيشَ بينَ الناسِ
كم في المَدى من عِبرةٍ مخبوءةٍ
لو نُقّبوا تنقيبَهم للماسِ
والخطبُ ليسَ يقيكَهُ ذو يَقظَةٍ
واللصُّ يرقبُ غفلةَ الحرّاسِ