طَرِبَ الْفُؤَادُ بِكَثْرَةِ الْخَفَقَانِ
فِي بَهْجَةٍ كَالْعَاشِقِ الْوَلْهَانِ
مِنْ ذِكْرِ مَنْ نَسَجَ الْبَيَانَ كَلَامُهُ
فِي مُهْجَتِي نَسْجًا مِنَ الْأَلْحَانِ
قَدْ دَانَ مِنْ عَرْشِ الْجَمَالِ بِحُسْنِهِ
وَسَطَا عَلَيْهِ كَسَطْوَةِ السُّلْطَانِ
دَخَلَ الْقُلُوبَ مُبَاغِتًا فِي غَزْوِهِ
مُتَوَشِّحًا جَفْنًا لَهُ نَصْلَانِ
سَفَكَ الدِّمَاءَ بِمُقْلَتَيْهِ وَلَمْ يَرُمْ
سِوَى الِاشْتِيَاقِ وَلَوْعَةِ الْأَبْدَانِ
تَرَكَ الْفُؤَادَ مُضَرَّجًا بِتَشَوُّقٍ
وَالشَّوْقُ حَالُ الْوَالِهِ الْهَيْمَانِ
وَإِذَا تَطَلَّعَ فِي الْمِيَاهِ كَأَنَّهُ
حِلَقُ الزُّهُورِ بِجَانِبِ الْغُدْرَانِ
وَإِذَا رَمَيْتُ الطَّرْفَ أَنْظُرُ وَجْهَهُ
شَدَّ السِّهَامَ بِعَيْنِهِ وَرَمَانِي
وَغَدَا الْفُؤَادُ يُصَابُ مِنْ رَمَيَاتِهِ
وَهَوَى بِهَا كَذَبَائِحِ الْقُرْبَانِ
وَلَقَدْ تَرَقْرَقَتِ الْعُيُونُ وَأَغْدَقَتْ
بِالدَّمْعِ عِنْدَ تَبَاعُدِ الْأَظْعَانِ
وَتَرَاهُ عَيْنِي رَغْمَ طُولِ فِرَاقِهِ
مُتَرَائِيًا مِثْلَ الْقَرِيبِ الدَّانِي
لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّ حُبَّكَ قَاتِلِي
أَوْ مُؤْرِقٌ لِلْعَيْنِ كَالْإِدْمَانِ
لَأَتَيْتُ مِنْ فَوْرِي إِلَيْكَ مُسَارِعًا
وَمُحَطِّمًا لِقَسَاوَةِ الْهِجْرَانِ
وَلَقَدْ غَرِقْتُ فَمَا لَقِيتُ بِصَاحِبٍ
أَوْ مُنْقِذٍ عَنْ حُبِّهِ يَنْهَانِي
إِنَّ الْمَحَبَّةَ وَالْهَوَى طَبْعُ الْفَتَى
مُتَأَصِّلٌ فِي فِطْرَةِ الْإِنْسَانِ
مَا لِلْقُلُوبِ بِأَنْ تَصُدَّ مَحَبَّةً
أَوْ مَا لِمَرْءٍ فِي هَوَاكَ يَدَانِ
إِنْ كَانَ فِي الشَّوْقِ الْمُسَعَّرِ لَوْعَةٌ
فَلَقَدْ وَجَدْتُ بِذَا الْبَلَاءِ جِنَانِي
وَلَقَدْ غَدَوْتُ مُغَرِّدًا بِقَصَائِدِي
فَاسْمَعْ لِمَا حَبَّرْتُهُ بِبَنَانِي
هَلْ قَدْ وُلِدْتُ بِأَسْوَأِ الْأَزْمَانِ
أَمْ هَلْ تَغَيَّرْنَا عَلَى الْأَكْوَانِ؟
مَا لِي أَرَى عَادَاتِ سُوءٍ أَغْرَقَتْ
أَشْبَالَ أُمَّتِنَا كَمَا الطُّوفَانِ
مَا لِي أَرَى فُحْشًا تَطَاوَلَ بَغْيُهُ
وَتَلَاعُبًا فِي فِطْرَةِ الذُّكْرَانِ
مَا لِي أَرَى الْجُهَّالَ سَادُوا بَيْنَنَا
وَتَغَلْغَلُوا فِي سَائِرِ الْبُلْدَانِ
يَنْفُونَ كُلَّ حَقِيقَةٍ بِجَهَالَةٍ
مِنْ غَيْرِ تَقْرِيرٍ وَلَا بُرْهَانِ
جَحَدُوا بِفَضْلِ الْأَقْدَمِينَ وَأَطْفَأُوا
مِشْكَاةَ عِلْمٍ مُحْكَمِ التِّبْيَانِ
بِتَحَزُّبٍ وَتَفَرُّقٍ وَتَشَتُّتٍ
وَتَخَاذُلٍ عَنْ نُصْرَةِ الْجِيرَانِ
وَعَجِبْتُ مِمَّنْ قَدْ يُجَرِّدُ وَجْهَهُ
مِنْ لِحْيَةٍ كَبَرَاعِمِ الْمُرْدَانِ
وَمُخَالِفٌ طَبْعَ الرِّجَالِ وَفِعْلَهُمْ
وَيَسِيرُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحُلْقَانِ
وَيَكُونُ فِي طَبْعِ النِّسَاءِ مُقَلِّدًا
فِي الزِّيِّ أَوْ بِالْمَشْيِ وَالْمَيَلَانِ
وَيَكُونُ فِي كُلِّ الْمَسَاوِئِ رَاضِيًا
مِنْ غَيْرِ رَفْضٍ أَوْ بِلَا نُكْرَانِ
وَمُتَابِعٌ لِلْغَرْبِ مِثْلَ ظِلَالِهِ
فِي كُلِّ فُحْشٍ ظَاهِرٍ فَتَّانِ
وَتَرَاهُ فِي فِعْلِ الرَّذَائِلِ مُبْصِرًا
وَيَكُونُ فِي الْإِحْسَانِ كَالْعُمْيَانِ
وَيَزِيدُ فِي تِلْكَ الْفِعَالِ مُخَالِفًا
قَوْلَ الرَّسُولِ وَطَاعَةَ الرَّحْمَٰنِ
وَمُقَلِّدٌ لِلْفَاسِقِينَ بِجَهْلِهِ
وَمُؤَيِّدٌ لِلْفَاسِدِ الْمَجَّانِ
قَدْ حِرْتُ مِنْ تِلْكَ الْفِعَالِ وَحُمْقِهَا
أَبِذَاكَ نَرْجُو رِفْعَةَ الْأَوْطَانِ؟
يَا قَوْمُ إِنَّ صَلَاحَنَا بِعُلُومِنَا
لَا بِالْمُجُونِ وَزِينَةِ النِّسْوَانِ
لَيْسَ الرَّخَاءُ مُحَقَّقًا بِالْفِسْقِ، بَلْ
بِالْعِلْمِ وَالتَّقْوَى مَعَ الْإِيمَانِ
أَوَمَا نَسِيتُمْ يَوْمَ عِزٍّ بَاهِرٍ
مُتَلَأْلِئٍ فِي الْمَجْدِ كَالتِّيجَانِ
أَنَسِيتُمُ عَهْدَ الرَّسُولِ وَصَحْبَهُ
وَتَرَابُطًا فِي الْحَقِّ كَالْبُنْيَانِ
أَمْ قَدْ نَسِيتُمْ مَنْ أَتَى مِنْ بَعْدِهِ
مِنْ خَيْرَةِ الْأَصْحَابِ وَالْفُرْسَانِ
فَخَلِيفَةُ الْمُخْتَارِ صِدِّيقُ الْهُدَى
مِنْ بَعْدِهِ الْفَارُوقُ كَالْمِيزَانِ
عُثْمَانُ كَانَ لَنَا كَنِبْرَاسِ التُّقَى
وَعَلِيُّنَا بِصَلَابَةِ الشُّجْعَانِ
لِلَّهِ دَرُّ خَلَائِفٍ مِنْ بَعْدِهِمْ
أَهْلِ أُمَيَّةَ مِنْ بَنِي مَرْوَانِ
قَدْ دَانَتِ الْأَقْطَارُ مُسْلِمَةً وَقَدْ
بِتْنَا نَقُضُّ مَضَاجِعَ الطُّغْيَانِ
وَانْظُرْ بَنِي الْعَبَّاسِ يَوْمًا بَعْدَهُمْ
أُسْدًا بِقَلْبِ الشَّرْقِ وَالْبُلْدَانِ
وَاذْكُرْ رِجَالَ الْفُرْسِ فِي إِسْلَامِهِمْ
وَاذْكُرْ صَنِيعَ التُّرْكِ فِي الْمَيْدَانِ
قَدْ أَرْعَبُوا الرُّومَانَ فِي وَقْعِ الْقَنَا
سَلْجُوقُ كَانُوا أَوْ بَنُو عُثْمَانِ
فِي حُكْمِ أَنْدَلُسٍ تَوَالَى عِزُّنَا
عَنْ ذُلِّ غَرْبٍ بَاتَ بِالْقِيعَانِ
وَهُنَاكَ فِي مِصْرَ الْكِنَانَةِ شَعْبُهَا
قَهَرَ الْغُزَاةَ مَقَابِرَ الْعُدْوَانِ
وَانْظُرْ إِلَى الْأَمْصَارِ فِي تَمْصِيرِهَا
مَصْفُوفَةً كَقَلَائِدِ الْمَرْجَانِ
وَإِذَا سَأَلْتَ عَنِ الْعُلُومِ بِأَسْرِهَا
فِي الطِّبِّ أَوْ بِالْجَبْرِ وَالْعُمْرَانِ
فَانْظُرْ إِلَى التَّارِيخِ تَعْرِفْ فَضْلَنَا
وَصَنِيعَنَا فِي سَالِفِ الْأَزْمَانِ
فَالْعِلْمُ يَقْطُرُ مِنْ عُقُولِ رِجَالِنَا
فِي كُلِّ بَابٍ فَاضَ بِالْجَرَيَانِ
كُلٌّ شَهِدْنَا أَنَّهُمْ كَانُوا لَنَا
فِي الْفَضْلِ وَالْإِخْلَاصِ كَالْعُنْوَانِ
إِنِّي نَصَحْتُكُمُ نَصِيحَةَ مُشْفِقٍ
يَخْشَى عَلَيْكُمْ فِتْنَةَ الْفِتْيَانِ
وَلَقَدْ نَظَمْتُ مَعَ الْبَيَانِ نَصَائِحِي
فَلَعَلَّهَا تَسْمُو إِلَى الْآذَانِ
يَا إِخْوَتِي إِنَّ النَّعِيمَ بِفِطْنَةٍ
وَتَمَسُّكٍ بِالصَّبْرِ وَالْحُسْبَانِ
لَيْسَ التَّشَاؤُمُ فِي الْحَيَاةِ بِمُنْقِذٍ
بَلْ إِنَّهُ هُوَ حُجَّةُ الْكَسْلَانِ
فَالْزَمْ كِتَابَ اللهِ إِنَّ كِتَابَهُ
هُوَ مُنْقِذُ الْعَاصِي مِنَ النِّيرَانِ
وَاتْبَعْ طَرِيقَ الْأَوَّلِينَ فَقَدْ تَجِدْ
مِشْكَاةَ رُشْدٍ فِي خُطَى تِبْيَانِ
لَا يَشْغَلَنَّكَ حُسْنُ حَالِ مُهَرِّجٍ
فَنَعِيمُهُ يُفْضِي إِلَى الْخُسْرَانِ
وَاتْرُكْ فِعَالَ السُّوءِ تَأْمَنْ شَرَّهَا
وَكَلَامَ كُلِّ مُغَالِطٍ خَوَّانِ
يَا إِخْوَتِي إِنَّ الْحَيَاةَ قَصِيرَةٌ
مَعْدُودَةٌ بِتَعَاقُبِ الْأَحْيَانِ
تَحْلُو لِعَيْنِ الْمَرْءِ فِي إِغْوَائِهَا
وَتُطَوِّقُ الْأَبْدَانَ بِالْأَكْفَانِ
فَابْعُدْ، هَدَاكَ اللَّهُ، عَنْ زَلَّاتِهَا
وَالْزَمْ طَرِيقَ الْعَاقِلِ الْيَقْظَانِ
وَاغْفِرْ إِلٰهَ الْكَوْنِ سُوءَ صَنِيعِنَا
وَإِلَى كَلَامِ الْحَقِّ قُدْ وِجْدَانِي
وَاجْعَلْ كِتَابَكَ هَادِيًا لِسَبِيلِنَا
وَاخْتِمْ لَنَا بِالنُّورِ وَالْغُفْرَانِ
يَا رَبِّ إِنِّي قَدْ أَتَيْتُكَ نَادِمًا
أَرْجُو مِنَ الرَّحْمٰنِ أَنْ يَرْعَانِي
إِبْلِيسُ فِي نَفْسِي تَغَلْغَلَ مُفْسِدًا
سُحْقًا لِسُوءِ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ
فَاغْفِرْ إِلَهَ الْكَوْنِ سُوءَ تَصَرُّفِي
وَارْحَمْ بِفَضْلِكَ زَلَّةَ الْعِصْيَانِ
يَا خَالِقَ الثَّقَلَيْنِ إِنِّي مُذْنِبٌ
أَرْجُوكَ فِي الْإِسْرَارِ وَالْإِعْلَانِ
فَارْحَمْ ضَعِيفًا قَدْ أَتَاكَ مُذَلَّلًا
يَرْجُو كَرِيمَ الْعَفْوِ وَالْغُفْرَانِ
بَاعِدْ عَظِيمَ الشَّأْنِ قَلْبِي وَالنُّهَى
عَنْ كُلِّ فِعْلٍ مِنْ خُطَى الْهَذَيَانِ
هَذَا وَصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى
خَيْرِ الْبَرِيَّةِ مِنْ بَنِي عَدْنَانِ
وَالْآلِ ثُمَّ الصَّحْبِ طُرًّا بَعْدَهُ
عَدَدَ الرِّمَالِ وَكَافَّةِ الْأَرْكَانِ