منْ هؤلاء المعشرُ السُّمَّارُ
بحديثهم تتعطَّرُ الأسحارُ؟
رقد الورى، وَحَمى عيونَهم الكبرى
جدلٌ تردَّدَ بينهم وحوار
سُهْدٌ كسهد العاشقين؛ وإنما
أصْبتهُمُو ببناتها الأفكار
كَلِفُوا، ولكن بالبيان وسحرِه
ومن البيان: عرائسٌ أبكار
يتطارحون القولَ فيما بينهم
يحكي كُئُوس الرَّاح حين تُدار
يَسْقُون مَن وَرَدَ الندىَّ عليهمو
خمرًا مَنَابتُ كرمها الأسفار
مِن كلِّ روايةٍ، كأنَّ فؤادَهُ
نُقشَتْ على صفحاته الأخبار
متحدِّثٍ لبقٍ، كأن حديثه
زهْرُ الرِّياض يزفه «آذار»
إن قال، خلتَ الأصمعيَّ أعارهُ
شَفَتَيْهْ، لوْ أن الشفاه تُعار
يتسابقون إلى البيان، كأنهم
جُرْدٌ مذاكٍ ضمَّها مضمار
لهمو دعابات تُساقُ، فلا ترى
حُلْمًا يِندُّ، ولا يطيش وقار
يتندرون ولا ابْتِذَالَ؛ وإنما
تُرعى الحقوق، وتُحفظ الأقدار
أحيَوْا لنا العظم الرميم: فتارةً
معنا الوليد، وتارة بشار
وتذاكروا أدب الممالك؛ فانطوت
في حجرة جمعتهم الأقطار
لهجوا بذكر «فرانسَ» حتى خلته
حيا، إليه بالبنان يشار
يتنقلون على ضفاف «السين»، لم
ينقل ركابَهمو إليه قطار
بينا تراهم في «دمشق»، إذا بهم
نحو العراق بلا جناح طاروا
فكأنما وجه البسيطة روضةٌ
وكأنهم في دَوحها أطيار
أنا لا أشبه بالجمان حديثهم
إن الجواهر كلها أحجار
حذقوا البيانَ: قديمَه وحديثه
ولكل عصر بينهم أنصار
كلُّ يهب منافحًا عن رأيه
ضدَّ الخصوم كأنه إعصار
فإذا بهم قلبوا الندىَّ معاركًا
حتى كأن النقع فيه مثار
وسلاح كل مدرَّع برهانُه
فهو الحديد بكفه والنار
يا رُب ليل حالك يُحيونه
بروائع الآداب؛ فهْو نهار
قم يا زيادُ، عكاظ جُدِّد عهدها
وتنوشدت في سوقها الأشعار
ما النَّاس إلا: كاتبٌ أو شاعرٌ
أو ناقد، وسواهمو أصفار