هَطَلَ الرَّصَاصُ فَأَزْهَرَ الشُّهَدَاءُ
مَا كُلُّ مَا فِي الْخَلْفِ ثَمَّ وَرَاءُ
خَلْفِي مِنَ التَّارِيخِ مَا فُتَحَتْ بِهِ
هَذِي الْبِلَادُ وَحَاكَهُ الْأُمَرَاءُ
خَلْفِي مِنَ الْأَبْيَاتِ مَا طَرِبَتْ لَهُ
أُذُنُ الزَّمَانِ وَأَنْشَدَ الشُّعَرَاءُ
خَلْفِي مِنَ السَّنَوَاتِ قَرْنٌ مِنْ أَسًى
تَحْكِي مَرَارَةَ مَا بِهِ الْخَرْسَاءُ
خَلْفِي مِنَ الثُّكْلِ ارْتِجَاعُ نَحِيبِنَا
مَا لَمْ تَرَ مِنْ مِثْلِهِ الْخَنْسَاءُ
خَلْفِي الْمَجَازِرُ وَالْحَرَائِقُ وَالسْ
سَكَاكِينُ الَّتِي قُطعَتْ بِهَا الْأَشْلَاءُ
خَلْفِي أَزِيزُ الطَّائِرَاتِ يَقُودُهَا
شُذَّاذُ هَذِي الْأَرْضِ وَاللُّقَطَاءُ
خَلْفِي قَطِيعُ الْمُجْرِمِينَ ضَمِيرُهُمْ
وَكَأَنَّهُ بَيْنَ الضُّلُوعِ حِذَاءُ
خَلْفِي الْمُخَيَّمُ لَا طَعَامَ وَلَا دفا
مَا بَعْدَ سَيْلِ الْمَاءِ إِلَّا الْمَاءُ
خَلْفِي الرِّجَالُ وَيَحْمِلُونَ حَيَاتَهُمْ
فِي كَفِّهِمْ خَلْفَ الرِّجَالِ نِسَاءُ
خَلْفِي الشَّهِيدُ وَدَمْعُ طِفْلَتِهِ الَّذِي
يَهْمِي فَيَمْسَحُ دَمْعَهَا الْجُبَنَاءُ
خَلْفِي السَّجِينُ يَصِيحُ فِي سَجَّانِهِ
هُوَ قَدْ قَضَى لَكِنَّهُمْ طُلَقَاءُ
خَلْفِي سراب الْحُلْمِ فيء حطامه
كُلُّ السَّرَابِ تَلُوكُهُ الصَّحْرَاءُ
خَلْفِي الْحِصَارُ وَعَضَّةٌ مِنْ جُوعِهِ
وَلَرُبَّمَا عَضَّ الْجَوَادَ جِرَاءُ
خَلْفِي الْخُرُوجُ مِنَ الْحِصَارِ أَعِزَّةً
يَا وَيْحَهَا بَاصَاتُنَا الْخَضْرَاءُ
خَلْفِي مِنَ الْأَيْتَامِ مِلْيُونٌ لَهُمْ
فينا الرَّجَاءُ وَلَا يَخيب رَجَاءُ
خَلْفِي الْأَرَامِلُ لَا طَحِينَ بِخَيْمَةٍ،
وَيَدُقُّ بَابَهُمُ الرَّقِيقَ شِتَاءُ
خَلْفِي دُعَاءُ الْأُمَّهَاتِ بِلَهْفَةٍ
حَتَّى يَرَى نَصْرَ السَّمَا الْأَبْنَاءُ
خَلْفِي الضَّحَايَا يَطْلُبُونَ حُقُوقَهُمْ
يَا وَيْلَنَا بَعْضُ الْحُقُوقِ دِمَاءُ
مَا كُلُّ مَا فِي الْخَلْفِ خَلْفٌ إِنَّمَا
هُوَ شُعْلَةٌ وَسِرَاجُنَا الْوَضَّاءُ
هُوَ مَوْعِدُ الْأَحْرَارِ حِينَ تَكَالَبَتْ
فَوْقَ الدِّيَارِ بَنَادِقٌ سَوْدَاءُ
هُوَ نُورُ مَنْ سَبَقُوا، إِذَا مَا أَظْلَمَتْ
هَذِي الطَّرِيقُ، وَعَاوَدَ الْأَعْدَاءُ
مَا كُلُّ مَا فِي الْخَلْفِ خَلْفٌ إِنَّمَا
هُوَ جَذْوَةٌ لَا تَنْطَفِي وَضِيَاءُ
زَرَعَ الَّذِينَ مَضَوْا لَنَا فِي أَرْضِنَا
أَمَلًا فَكَيْفَ يُضِيعُهُ الْأَحْيَاءُ؟
إِنَّ الْجِرَاحَ وَإِنْ تَطَاوَلَ عَهْدُهَا
يَأْتِي عَلَيْهَا بِالشِّفَاءِ دَوَاءُ
مَا كُلُّ مَا فِي الْخَلْفِ خَلْفٌ إِنَّمَا
دَيْنٌ عَلَيْنَا، والدُّيُونِ وَفَاءُ
خَلْفِي دِمَاءٌ لَا نُسَاوِمُ حَقَّهَا
وَعَلَى خُطَاهَا تُكْتَبُ الْأَسْمَاءُ
خَلْفِي وَصَايَا الثَّائِرِينَ: عَدَالَةٌ
وَمَحَاكِمٌ وَمَشَانِقٌ وَقَضَاءُ
مَا كُلُّ مَا فِي الْخَلْفِ خَلْفٌ إِنَّهُ
جَذْرُ الْبَقَاءِ وَزَهْرُهُ الشُّهَدَاءُ