اسقني كأسَ البُكاءْ
أَشْبهَ النوحُ الغِناءْ
اسقنيها ثم دعني
وهي تجري في الدماءْ
ثُم لا تقرأْ على سمعي
سوى سِفر البُكاءْ
ليس في الكون خلودٌ
كلُّ شيءٍ لانتهاءْ
والأقانيمُ هراءٌ
والتُّساعات هراءْ
اسقني خمر السهرْ
أَشْبهَ الدود البَشَرْ
كلُّهم يحيا ولكن
وهو يرعى في الحُفَرْ
قد تساووا في هوى النَّفْس
وصاروا كالبقرْ
مَزَّق الظنُ ضميري
وغزت عقلي الفِكَرْ
اسقني كأسًا فكأسًا
ثم دعني أنتحرْ
اسقني خمر السرابْ
أشبه الرَّوْحُ العَذابْ
ثُم دعني لطريقي
وأمانيَّ الكِذَابْ
قد أضعتُ القلب فيها
ثُم ضَيَّعتُ الشبابْ
إنني وحديَ أمضي
من سرابٍ لسرابْ
كل أبواب الأماني
أُوصِدت بابًا فبابْ
اسقني خمر الوجعْ
أشبهَ الجوع الشَّبعْ
نحن في كونٍ غريبٍ
يَقلب الهِرَّ سَبُعْ
كلُّ ضدٍ صار
بالضد شبيهًا واجتمعْ
لستَ يا صاحِ نصيحًا
وأنا لا أستمعْ
كنت أَجزي النصحَ لو
كنتُ بنصحٍ أنتفعْ
اسقني خمر السلامْ
أشبه الصمت الكلامْ
يا نديمي إنَّ شيخ
القوم أضحى كالغلامْ
وغدا الناس رَعاعًا
من زحامٍ لزحامْ
ما عسى تُجدي رؤوسٌ
دفنوها في الرَّغامْ
وعلى العقل لجامٌ
وعلى الثغر لجامْ
اسقني خمر الغضبْ
أشبه الصدق الكَذِبْ
ورآني ودنا مني
يهوذا واقتربْ
فسقوا جوفيَ خَلًّا
وحشوا فاهُ ذهبْ
صلبوا عقلي وقلبي
فوق عودٍ من خشبْ
فعلى مِثل صليبي
كَمْ مسيح قد صُلبْ
اسقني كأس السُّلُوْ
أشبهَ البعد الدُّنُوْ
وأنا مِثل سفينٍ
ما لها الدهرَ رُسُوْ
لَم يَدُمْ لي فيه حالٌ
مِن رسوبٍ وطُفُوْ
فَعُلوٌ وانسفالٌ
وانسفالٌ وعُلُوْ
حكم الدهرُ علينا
فعتا أيَّ عُتُوْ
اسقني كأس المُحالْ
أشبهَ القبح الجَمالْ
والمرايا تعكس الوهم
يمينًا وشِمالْ
وأنا وحديَ لا أقوى
على هذا الخَبالْ
فحلالٌ كحرامٍ
وحرامٌ كحلالْ
وأنا وحدي سجينٌ
وقيودي من ليالْ
اسقني خمر الجروحْ
أشبه المهد الضريحْ
يا خليلي كل ما في
الأرض مذمومٌ قبيحْ
مُلِئتْ نفسي جروحًا
وامتلا الجسم جروحْ
فغدا عندي سواءً
من يغني وينوحْ
فاسقني الكأس وأَنْشِدْ
صَلب الرومُ المسيحْ
اسقني خمر الشجونْ
أشبه العقل الجنونْ
أخطأَ الحدسُ وحارت
في مدى الشك الظنونْ
كل شيىءٍ نتمناهُ
بعيدٌ لا يكونْ
رُبما هانت نفوسٌ
ونفوسٌ لا تهونْ
إنما روحك والجسم
دُخَانٌ في أتونْ