أراعك شيبٌ بالمفارق طالعُ
نَعم كلُّ ذي عقلٍ له الشَّيب رائعُ
أليس نذيرَ الموت، والموتُ قارعٌ
تحُلُّ وتبدو من لَدُنْه القوارع
وفي القبر بعد الموت أهوال شِدَّةٍ
وفيه بلادٌ نائياتٌ بلاقع
بلاقعُ ما إن عاد مرتاد ربعها
وما إنْ بها للنازلين المراتع
لَعمرُك ما دهرُ الشبيبة راجعٌ
ولا الأزْمُن اللاَّتي مضينَ رواجع
وما ذِكْر أيام الشبيبة والصِّبا
يليق وبومُ الشَّيب في الرأس وازع
أتطمع أن تبقى وتعلم أنَّما
تُقطّعُ أعناقَ الرجال المطامع
ولو صحَّ أن يبقى من النّاس واحدٌ
لكان حبيبَ الله من هو شافع
إمامُ الورى الدَّاعي إلي خير مِلَّةٍ
بشرعته المثلى تتم الشرائع
فما رضي الرحمنُ بعد ظهورها
لها بدلاً حتى تَسوَّر قارع
فكم من دليلٍ للنُّبوءة لائحٍ
لديه وما شقَّ اللثَّاتِ الرَّواضع
أحاطتْه من قبْلِ الرِّسالة عِصمةٌ
له حافظٌ منها ومنه المطاوع
يُسارع في مرضاة ربٍّ مهيمنٍ
بتوفيقه إيَّاه مَن قبلُ سارعوا
ففاجأه الوحي السَّنِيُّ وإنه
على المنهجَ المحمود ساعٍ مُسارع
دعا الخلق للتوحيد فردًا وما له
من النَّاس إلا نابذُ القول خادع
فكم من مُريدٍ قتْلَه متُشدِّدٍ
ومن هو في العِرض المُنزَّه واقع
فجَدَّ حريصاً في هداية مَن غوى
فما صدَّه عنها الرِّماح الشَّوارع
إلى ملَّةٍ بيضاءَ يسطع نورُها
فتسطع منه النّيرات السَّواطع
وما الشَّمس في رُمْصِ العيون بزائدٍ
سوى علَّةٍ منها الدُّموع الهوامع
فبادرَتِ التَّصديقَ بنتُ خُويلدٍ
حدَتْها الجدودُ والسعود الطَّوالع
لها الحظُّ لم تسئِر من الحظِّ جرعةً
فما بعدها إلا عيونٌ نوابع
عليها سلامي ما بقيتُ وإن أمت
سيبقى لها منّي الثنَّاء المصادع