"العِيدُ عِيدُ العَافِيةْ"
قالتْ لنا أُمِّي
وَكنتُ بِلا حِذاءْ
كانتْ قصورُ المترفينَ مُضِيئةً
بِلهِيبنا
كُنَّا بِكوخٍ ليسَ فيهِ
أيُّ شَيءٍ
لا رغيفَ
ولا سليطَ
ولا شموعَ
وليسَ إلا نَامسٌ
يمشي بضوءِ الكهرباءِ
من القصورْ
يُلقي قَذَائِفهُ كَنَوْعٍ مِن تَحايَا العِيدِ
تَذكرةِ العبورْ
مِن بابِ..
مِن بابِ الإخاءْ.
العِيدُ يا أُمِّي ظلومْ
كَيفَ استَطاعَ العِيدُ أنْ يأتي
وأنتِ بَعيدةٌ عَنِّي
وَأعوامٌ تمرُّ
وألفُ مَوْتٍ لا يمرُّ
وكلُّ حُلْمٍ لا يَدومْ!
"العِيدُ عيدُ العَافِيَةْ"
وَيَدٌ قَمَرْ
تطفو على ليلِ السُّطورِ
تَشُقُّ لِلفجرِ الطَّريقَ
تَذودُ عن أهْلِ المدينةِ
كُلَّ أَفْكارِ الغَجَرْ
مَا سَادَ مِنها بَعدما كانَ انْدَثرْ
عَادتْ لِتنمو كَالطَّحالبِ والعَناكبِ والذُّبابِ
عَلى حَوَافِّ الفَنِّ والتَّاريخِ وَالرَّوضِ الأنيقِ
وَأُغنياتِ الرِّيفِ وَالغزلِ الرَّقيقِ
على المدارسِ والمزارعِ والحقولِ
على العقولِ
بِصَرخَةٍ مِنها الزُّهورُ تموتُ
مِنها الدُّروبُ تنامُ في ليلِ الخَرابِ
بِصَرخةٍ تَذوي الغصونُ تموتُ
والماءُ يَفسُدُ ليس يَصلُحُ لِلشَّرابِ
بِصَرخةٍ تعلو البُثورُ بِإثْرِها وَجهَ الشَّبابِ
وَوجهَ هَاتيك السَّحابِ على الهِضابِ على الرَّبابِ
على الخِضابِ..كَلَعْنَةٍ
وَيَدٌ قَمَرْ
تَرمي وَرَاءَ مَتَارِسِ الكَلَماتِ
والأقلامِ
أَعْيِرَةَ القَدَرْ
تُجْلي عَنِ الأَرواحِ
وَادِعَةً
شَيَاطينَ التَّتَرْ.
أو كالرَّبيعِ يُطِلُّ مِن شَفَقِ الخدودِ
وبينَ أقواسِ المطرْ.
ويدٌ قَمَرْ
رَغْمَ الدَّيَاجي القَاسِيةْ
رَغم الغيومْ
تبدو على قُننِ الجبالِ العاليةْ
كالصَّقرِ
يَهْوِي مِن عَلٍ..
قَلَمِي
عَلى
رَغْمِ انْشِعابِ جَناحِهِ
رَغمِ انْفِتاقِ جِراحهِ
لكأنَّهُ يطوي الفؤادَ على حجرْ
لا زال يحفرُ في السُّطورِ دُجى الرِّيَاحِ العَاتِيَة.
"العيدُ عيدُ العَافيةْ"
كلُّ الحروفِ بَدَتْ مَصَابِيحاً على الدَّربِ الطويلْ
والقلبُ كيف يكونُ؟
يَنْتَهِبُ الرَّحيلْ
طُرُقٌ إلى الحرِّيَّةِ الخضراءِ
مُشْرَعةٌ
وَحَادِيهَا هَدِيلْ
: " اللهُ فرحتُنا الدَّليلْ.. اللهُ بسمتُنا السَّبيلْ ".
"العيدُ عيدُ العافيةْ"
عيدُ الطفولةِ وهي تهطل كالصَّباحِ
على البيوتِ
وعند أطراف الرَّصيفِ
وفوق أشجارِ النَّخيلِ
وفوق أعشابِ الحديقةِ
فوق أزهارِ الأقاحْ.
عيدُ الطُّفولةِ
وهيَ تنثر باقةً من أغنياتٍ
في طريق الشِّعرِ
تُحْييِ مَيَّتَ الحبِّ القديمْ
في بني الإنسانِ
تُحْييِ ميَّتَ الحبِّ القديمْ
وَهناك تنزل في العميقِ من الشعورْ
وَتهزُّهُ -حتى يَفيقَ- من الجذورْ
الدِّيكُ صاحْ
" هيَّا أفِقْ
طَلعَ الصَّباحْ
طلعَ الصَّباحْ ".
عيدُ الطُّفولةِ وهيَ تَجْلُو عن مَباسِمِهَا ثُريَّاتِ النّجومْ
عيدُ الأمومةِ وهيَ تغسلُ عن جبينِ الأرضِ
مِن دَعَوَاتِها
قَلَقَ التَّجَاعِيدِ
وأعباءَ الهمومْ
"العيدُ عيدُ العافيةْ"
والجَوُّ من عبقِ التَّوَاشيحِ العَريقةِ
والهتافُ الحُلوُ
من قلب المنائرِ
والمنابرِ
والمحاريبِ العتيقةِ
غيْمتانِ مِن النَّغمْ
يَتنزَّلانِ على القلوبِ، ويُمطِرانِ
بِرقَّةٍ
كالوردِ
نهراً مِن نغمْ
ويُحلِّقانِ على جناحٍ مِن نغمْ
العيدُ هَلَّ
فألفُ حَمْدٍ يا إلهي عَدَّ ذرّاتِ
المياهِ
وعَدَّ ذرَّاتِ الرِّمالِ
وعدَّ ذرَّاتِ الضِّياءِ
وعَدَّ ما دوَّتْ بهذا الشعبِ: لاااا
في وجهِ مَن قالوا: نعمْ.
"العِيدُ عيدُ العَافِيَة"
عَشَمُ الفقيرِ وَتَسْلياتُ المُعدَمِ
ومُنىً تَلُوحُ كَمِثلِ فَجرٍ مُعْتِمِ
خَدعوهُ عن ثَرواتهِ
وَاسْتفردوا بِالمغنمِ
حَرَموهُ من حقِّ الحياةِ
وَلَوَّثُوا شَرَفَ الحياةْ
صَلبوهُ في حبلِ الكلامْ
وَعَدوهُ بِالفردوسِ،
وَالفردوْسُ مَا هُم فيهِ مِن مَلءِ البُطونِ
مِن الحرامْ
لكنّهُ..
رَغْماً
أصَرَّ على المسيرْ.
"العيدُ عيدُ العافيةْ"
قَالَ الفقيرُ: بلى، وَهدَّم كوخَ عزلتهِ
وجاءَ كَمَا النَّهارْ
غَنَّى وَغَنَّتْ بِاسمهِ كلُّ الدِّيارْ
: سَقَطَ الحصارْ
وَمَضَى يُسبِّحُ بِاسمِ خَالقهِ الكبيرْ
الوَاهِبِ المِنحِ العِظامْ
قال الفقيرُ " الأرضُ يا سلمى " تعودُ
كَمَا يعودُ العيدُ مِن عامٍ لعامْ.