يا أخي الأبيضَ هل تغدو إلى روض الإخاءِ
تنزعُ الأحقادَ من قلبك ريانَ الصفاءِ؟
لم تنسابُ حميَّاكَ بروح الكبرياءِ؟
أنا لحمٌ ودمٌ! هل أنت نجمٌ في السماء؟
هل أنا الليلُ وأنت الشمسُ تزهو بالضياء؟
لستُ داءً يقصفُ الناس لتمضي في ازدرائي
لست أحيا كالجراثيم على مصِّ الدماء
أصلُنا آدمُ يمتدُّ إلى تُربٍ وماء
لست إلا آدميًا ارتدى فجرَ العلاء
أنا إنسانٌ وإنسانيتي ملء الفضاء
أنَكَرْتَ اللون في جِلْديَ ممتدَّ السّوادِ
إنما الجلدُ غلافٌ لا يعي ما في الفؤادِ
وهل اللونُ سوى القشرة؟ هل غير مداد؟
تكتب الصّفحة بيضاء بآثار اسوداد
يوزن المرءُ بما في لُبِّه من خير زاد
ليس بالتمويه فوق السّطح يعلو للسداد
وصباحي غامرٌ بالنور دفَّاق الرشاد
أنا بالنبل بياضي وبتيّار اجتهادي
ابيضاض القلب والأعمال وحْيي وعمادي
إنما اللونُ تفاهاتٌ كذرَّاتِ الرّماد
هل يضرُّ الدولةَ العلياءَ لوني الأسودُ؟
هل يخطُّ المجدَ من وجهك لونٌ أمردُ؟
بئس مَنْ دستورُه الوضّاء جِلدٌ أملدُ
دفقة الضّوء بصدري نبضُها لا يَخْمد
فشعاري الحقّ والفعلُ السدّيد الأمجدُ
إنما وحْيُكَ صبغ تافهٌ لا يُصْمُد
ليلكَ العابثُ في كوني غباءٌ ملحِدُ
سار في تياره موجُ السُّعار المزبِد
أين ما في عقلك الجبار؟ أين السؤدد؟
ومتى أنت على أمري ونفسي سيّد؟
يا أخي ما حيلتي في اللون حتى تزدريني؟
وتصبّ الثّورةَ الحمقاءَ تفري في يقيني
وتردُّ النورَ أن يدنو إلى كوني الثّمين
كيف لم أخلق لغير الذلّ يسري في مَعيني؟
كيف لا تنمو بوادي العزة الخصبِ غصوني؟
كيف لا يزهو مع الحرية الزهراء حيني؟
أنا إنسانٌ شَدَت في موكب الحقّ لُحوني
أنا روحٌ قد سرى في نهرها أمضى سفين
أنا إحساسٌ غنيٌّ بانفعالات السنين
كيف لا أمضي مع الركب إلى الفجر الأمين؟
لِمَ تنأى عن وجودي في إباءٍ وازدراءِ؟
هل ستجتاحك من أفقي جراثيمُ الوباءِ
هل سيغشى حقلَكَ الحالم طوفان البلاء؟
إنّ جوِّى طاهرُ الأطياف دفَّاقُ الضياء
إنّ بحري رائعُ الأصدافِ رفّافُ الهواء
إن لحني راقصُ الأصْداء شفّاف الصّفاء
فلِمَ العزلة عنّي لِمَ إلهابُ العداء؟
لِم غرس الشّوكِ في واديّ يمتصُّ دمائي؟
لِم تغتال بأجوائي الزهيّاتِ رجائي؟
أنتَ لصُّ تسرق المتعةَ من دنيا هنائي