مَنْ ذلك الساري تعجّ مواكبُهْ
وتخبّ في بطن الفلاة كتَائبُهْ؟
ويصلُّ كالقدر المهيمن سيفه
وتُسابق الريح الزفوف نجائبه
ويشقّ أجواز الفضاء زئيره
وتزلزل الطودَ الأشمَّ قواضبه
وتموج كالبحر الخِضمّ مطيّه
وتنير ظلماء القفار ثواقبه
مَنْ ذلك الشعشاعُ قام بجنده
والليلُ تسري للأفول كواكبه
متسربلاً سترَ الدجى وبقلبه
نورٌ من الأمل السنيِّ يصاحبه
وترفّ من روح السماء ملائكٌ
بيضٌ بإشعاع الخلود تداعبه
لم تَثنِه الأحداث عن آماله
كَلاّ، ولم تعظم عليه مآربه
مسْعَاته المجدُ الأثيلُ، وهكذا
يسعى إلى المجد المؤثَّل طالبه
إن الذي جعل الرقيَّ سبيله
هانت عليه صعابه ومطالبه
ومنِ امتطى للَّه صَهْوَة عمره
سارت به نحو الخلود مراكبه
من لي بمشهده يُجمِّع جنده
وتفيض من نبع السماء مواهبه؟
وأمامه الحصن الحصين وقد بدا
فَزِعًا مُراعًا ما تقرّ جوانبه
وبجَوْفِه قومٌ كأنَّ قلوبهم
خفقاتُ طيرٍ روَّعتْه مصائبه
ألقتْ بها الصحراء عطْشَى، فابتغت
رِيّاً من الأعناق يهدر ساكبه
يا ويلَهم لمَّا أحاط بحصنهم
مثلُ القضاء فليس ينجو هاربه
في كل ناحيةٍ تصلُّ سيوفُه
وبكل صوبٍ جنده ومضاربه
تحْدوهمُ الآمال مشرقةَ السَّنا
ويَمدُّهم من لا يذلّ مُصاحبه
فاضت من الأعماق صيحةُ مؤمنٍ
دوَّتْ بها روح السماء تجاوبه
اللهُ أكبر لن يُضام نصيره
كلاَّ ولن يلقى النجاحَ مُحاربه
هيَّا إلى المجْدِ الأثيل فقد دنا
وبدت - كما يبدو الصباح - كواكبه
فتسلَّقوا الحصن الحصينَ، فزُلزلت
من هول ما فعل الغزاة جوانبه
والرومُ بين مضَرَّجٍ بدمائه
ومفجَّعٍ أعيَتْ عليه مذاهبه
ضاقت بهم سُبل النجاة، فبايعوا
بطلَ الكنانة بالذي هو راغبه
يا صاحبَ الفسطاط أي يمامةٍ
سالمتها والطعنُ يدوي صاخبه؟
أَمِنتْ إليك، فلم تروِّعْ أمنها
سمحٌ كريمٌ، لن يُروَّعَ طالبه
مَثَلٌ من الدين الحنيف، وهكذا
دينُ السماحة شَرْعُه ومناقبه
يا صاحبَ الفسطاط أدْرِكْ شرقه
فلقد غزته كروبه ونوائبه
قد بات نهبَ الظلم من أعدائه
ورست إلى شطّ الفناء مراكبه
يصفو لقومٍ وِرْدُه وشرابه
ولغيرهم لا تُستساغ مشاربه
فإلامَ يابْنَ العاصِ يصدعه الردّى؟
وإلامَ آفاتُ الزمانِ تغالبه؟
أنت الذي أحييتَ سالف مجده
وعلى هداك اليوم يُهزم غالبه
ماذا وراء الظلم إلا صارخٌ
للحق تكتسح الطغاةَ كتائبه؟