أتتْ تختال في عقدٍ ثمينِ
وترفل بالأساوِر والبُرينِ
وتخطر في غلائلَ من دلالٍ
وتزهو طلعةً بالنيّرين
يرنِّحها الصِّبا تيهًا فتأتي
تَبخترُ في رياض الحلَّتين
كأن الشّمسَ نارتْ من سناها
ونورَ البدر من نور الجبين
كأن هلالَنا في ساعدَيْها
تُصيّره سوارًا من لُجين
كأن الحسنَ أعطاها قيادًا
لخدمتها غدا طوعَ اليدين
كأن الموتَ لم تحسَبْه إلا
ليخرجَ من سهام المقلتَين
أتت نحوي على وجَلٍ عراها
ودمعُ العين كالدرِّ المصون
تقول أكلَّ دهرك في ارتحالٍ
وشدٍّ بين إرقالٍ وبين
فقلت لها إلى طلب المعالي
مرامي لو علت بالشِّعْريين
بإثني عشْرَ من شهرٍ أصمٍّ
رحلْنا في حمى الربِّ المعين
خرجنا من «دما» صبحًا وصارت
حمامُ السَّعد تهتف في الغضون
ونسأل ربَّنا عونًا ونصرًا
وتوفيقًا لمقصدِنا المتين
«بمحلاحٍ» أقلْنا وارتحلْنا
قُبيلَ العصر في جمعٍ رصين
نسيمُ «الغبرة» الفيحاء أهدى
لنا من طيب مربعها الثمين
ورحْنا صبحَ رابعَ بعد عشرٍ
نسبِّح ربَّنا في كلِّ حين
دخلنا «ضيقةً» والنفسُ منّا
تجاذبنا المسيرَ على يقين
ولا نُصغي لعذلٍ من عذولٍ
وإن قد قال فيها بالمشين
لأن الضِّيقَ يعقبه سرورٌ
وحبُّ الدار من حبِّ المكين
دخلناها قبيل طلوع شمسٍ
ومعْنا العيرُ تزأرُ بالأنين
لأن بها جبالاً شامخاتٍ
تردُّ الشمسَ عن نظر العيون
وإن بها صفاءً مُزلقاتٍ
تكاد الرِّجْلُ تزلقُ بالوَجين
وتسمع للمياه بها دويّاً
كصوت الرّعد في السحب الهتون
ترى جريانَه في جانبَيْها
كجرْيِ الصِّلِّ في سلك الغصون
وفي بلد «الغبيرة» قد وصلنا
تلقّانا بها ليثُ العرين
وعصرًا يومَ سادسَ بعد عشرٍ
قصدنا صاحِ للحصن الحصين
فلاحَ بناؤُه ثم التقانا
رجالٌ شربُهم دمُّ القرون