ذهبتُ إلى ابنتي في ذات يومٍ
أريدُ أزورُها بعد الغيابِ
وكان لها بُنيّاتٌ حِسانٌ
وكلُّ بُنيَّةٍ مثلُ الشهاب
يَكدْنَ إذا لمسْنَ مشيبَ رأسي
يُعدْن إليَّ أيامَ الشباب
شريتُ لهنَّ من تُحَفِ الهدايا
ورُحْتُ لهنَّ مملوءَ الوِطاب
جعلتُ لكل واحدةٍ نصيبًا
ووزَّعتُ الهدايا بالحساب
وثَمَّ رأيتُ صُغراهنَّ هندًا
مُعاقَبةً على ضرب الكلاب
وكان عقابها خبزًا قَفارًا
وحبسًا في مكانٍ خلْف باب
سمعت بكاءها فكأن هندًا
تُفيض الدمع من قلبي المذاب
هنالك لم أكن لأطيق صبرًا
بأن تبقى على مُرِّ العذاب
فقمت وقد خبَأْتُ وعاءَ حلوى
أقدِّمُه لها تحت الثياب
ولكنْ أمُّها كشفت صنيعي
فجازَتْني عليه بالعِتاب
وقالت أنت يا أبتي عجيبٌ
وما عهدي بمثلك أن يُحابي
أتمزح يا أبي والأمرُ جدُّ؟
فأنت إذن خليقٌّ بالعقاب
عليك الآن حَقَّ عقابُ هندٍ
لأنك قد بعدتَ عن الصواب
فقم في الحبس أنت وكُلْه خبزًا
بلا حلوى عليه ولا شراب
فقلت، أقوم أستوفي جزائي
على فعل المروءةِ والثواب
ولما أن حللتُ محلَّ هندٍ
بللتُ العين بالدمع الكِذاب
وصرت إذا بصُرتْ بها أمامي
أُطيلُ من العويل والانتحاب
أمدُّ يدي أُريها الخبز فيها
وأُطعمه فمي طعْمَ اغتصاب
فجاءت عند ذاك إليَّ هندٌ
وصحنُ طعامها تحت الكتاب
وقالت خُذهُ يا جدّي فكُلْه
ولا تظهرْ به بين الصِّحاب
ولكنَّ الرقيب له عيونٌ
تكاد ترى الذي خلْفَ الحِجاب
فجاءت أمُّها غضْبَى علينا
تُشدِّدُ في السؤال وفي الجواب
ولكنْ ضحكةٌ منِّي ومنها
أحالَتنا إلى هَزْل الخِطاب
وكانت فرصةً للعفْو عنِّي
وعن هندٍ على شرْطِ المتاب