يا رعَى اللهُ زَمَاناً سَلَفا
برُبُوعِ الشَّامِ وقتَ الغَلَسِ
فيهِ وقتي طابَ معْ أهلِ الوفا
وكُؤوسَ الودِّ فيهِ تحْتَسي
زَادَنِي البُعدُ الأليمُ وصَبَا
وغرَاماً كُنتُ في رضَا
ولَهَا الفُؤادُ مَالَ وصَبا
راضِياً في حُكْمِهِ وما قَضَى
أنْشَقُ النَّشرَ إذا هبَّتْ صَبَا
منْ ديارٍ بدْرُها فيهَا أضَا
لَسْتُ أبْغَى منْ سِوَاهَا خَلفَا
لاَ ولاَ ثوْبَ السُّلوِّ أكْتَسى
كَيْفَ أنْسَى عهْدَ أيَّامِ الصَّفا
وزَماناً فيهِ حبّي مؤْنِسي
ربْربٌ ربّي في وَادي النَّقا
أحورُ الطَّرفِ أغنُّ أغيَدُ
شمْسُ حُسْنٍ بالجَمالِ أشْرقَا
منْهُ ضاءَ البَدرُ ثمّ الفَرقدُ
فاقَ أرْبَابَ الجَمَالِ روْنَقَا
وهوَ منْ بين النّجومِ الأسْعدُ
عيلَ صبْري منْ جفاهُ شَغَفَا
حينَ سارَ الوجدُ مجرَى النَّفَس
بتُّ في ليلي وطرْفي ما غَفَا
وكؤُوس الوجْدِ فيهِ أحْتَسي
ظبيةٌ منْ آلِ غَسّانَ لَهَا
مرْتَعٌ ما بينَ علْمٍ وأدَبْ
ما رآهَا نَاسكٌ إلاَّ لَهَا
للجَوَى والوَجْد صلّى واقترَبْ
وبنُو بلقيسَ قالُوا إنَّها
في سَبَا قدْ قلَّدَتْ مجْدَ العَرَبْ
أهِ لوْكانَ زَمَانِي مُسْعِفا
ورِداءَ البُرءِ فيهِ أكتَسي
ومكانَ مَرَضِي حلَّ الشِّفَا
لسِرْيْتُ نحْوها في الغَلَسِ
يا رَعَى اللهُ عُهُودَ النَّيربَيْن
بينَ ورْدٍ ورياضٍ وشَجَرِ
ماؤُهُ ينْسَابُ أمْثَالَ اللُجينِ
فوقَ حَصباءَ تلالا كالدُّررْ
قدْ سَمَا بالحُسنِ أعلى الشّرفينْ
واكتَستْ أرْجاؤُهُ منْ سُنْدُسِ
والرَّقيبُ طَرْفهُ لمّا غفا
حدَّقتْ فيهِ عيُونُ النَّرجِسِ
يا عُيُونَ الغِيدِ في أعْلَى الشَّرَفْ
منْ دمشقَ في رياضٍ ونهرْ
لحْظكِ الفتّانُ قلبيَ أختَطفْ
فَتَلَظَّى بعدَ بُعدِي بالشَّررْ
مَلِكُ الجَمَالِ بالحُسنِ أعترَفْ
مَلكٌ أنتَ وما أنْتَ بَشَرْ
وغُصَيْنُ البَانِ نَحْوَكَ هَفَا
يَلثَمُ الأقْدامَ كالمُختلسِ
تَسْرِقُ الأغْصَانُ مِنْكَ الهَيَفَا
وهي منْ بهْجَتها في عُرُسِ
فَمَتَى يا شمْسُ نَحْظَى باللَقا
ويعُودُ شمْلُنا مُجْتَمِعَا
ويذُودُ الجَفْنُ عنهُ الأرَقَا
وكُؤوسَ الودِّ نُسقي جُرَعا
وظَلامُ البُعْدِ يبدُو مُشْرِقَا
نَجْمَعُ الآدابَ والعِلْم معا
فكفَانا ما نقَاسيهِ كفَى
فزَمانُ الودِّ منَّا ما نُسي
ليْلنا ننْهَب منهُ زلَفا
والرَّقيبُ ممْعِنٌ في الهَوسِ
بَعْدكَ القِرطاسُ صار لي نَديمْ
فيهِ ألْهُو عنْ هُيَامِي والقلقْ
وخَيَالي في بوادِيهِ يَهيمْ
في نَهَارِي واللَّيالي في قَلقْ
بِشذا الأحْبَابِ إنْ جاءَ النَّسيمْ
نَظَم البُشرى لديّ في نَسَقْ
وأتَاني بالوفاءِ طُرفا
تتهادى في أعزِّ ملْبَسِ
وتَبدّى شملُنَا مُؤتلفا
وزمانُ البُعدِ عنَّا قدْ نُسِي