حتّامَ تحسبها أضغاثَ أحلامِ
سبِّحْ لربك وانحرْ أنت في الشامِ
لم يأذنِ الله يا بوقَ العروبة أن
تقضي الحياةَ غريبًا بين أعجام
وكنتَ في أبعد الأمصار أقربَ من
أهلي إليَّ وأخوالي وأعمامي
أضناك طولُ السُّرى والسير يا ولدي
فاطرحْ رداءك وامسحْ جرحك الدامي
هذي عيوني وجنّاتي وفاكهتي
فاملأ يديك وبرِّدْ قلبك الظامي
وارتعْ بقلبيَ واسبحْ كالشعاعة في
عينيْ ونمْ بين أهدابي وأحلامي
يا آلَ جلِّقَ يا أزكى الأصول إذا
باهى السَّراةُ بأصلابٍ وأرحام
حسبي بكم شرفًا أني على ضَعتي
كأن كلَّ ملوك الأرض خُدّامي
أعيت بياني وشُكراني عوارفكم
يا أكرمَ الناس بالغتم بإكرامي
كم لائمٍ لامني في حبّكم سفهًا
فبدَّل القربُ حُسّادًا بلُوّام
لبّيتُ بالفرح المجنون دعوتَكم
وإخوتي ورفاقي دمعُهم هام
يا يومَ جدَّدَ فيَّ الخِضرُ آيتَه
لما أطلّت على بيروتَ أعلامي
والوحشُ منفغر الشدقين يرصدني
والبغيُ أسطوله خلفي وقُدّامي
أعدى عليَّ بظهر الفلك شرذمةً
ممن تضرّوا على فتكٍ وإجرام
لم يُجدهم طولُ إغرائي بصحبتهم
فحاولوا حين عيلَ الصبرُ إرغامي
همَّوا بأخذي فثارت كلُّ محصنَةٍ
وكل حرٍّ عريض الصَّدر هَمْهام
من إخوتي السُّمر من أشبال ناصرَ من
مصرَ العزيزة من أرض الدم الحامي
فأدبرَ البغيُ مدحورًا وعدت إلى
سِربي وقلت لها يا مقلتي نامي
وبتُّ ليلي وعينُ الله تحرسني
حتى وضعتُ بأغلى الترب أقدامي
في اللاذقية في شطٍّ يمتّ إلى
«بربارتي» بجمالٍ جلَّ عن ذام
في أرض قوميَ في الدنيا التي احتكرت
أقطارها كلَّ آمالي وآلامي
ما الأرزُ والشامُ إلا توأما وطنٍ
وأمّةٍ بالنجوم الزهر مِتْآم
وسرتُ في موكب الأحرار مرتقياً
إلى «صلنفةَ» من سامٍ إلى سام
ترى الصفا بين خضراء الرُّبا انتثرتْ
على بساطٍ من الإستبرق النامي
هشّتْ عليها الغصونُ الوارفاتُ كما
هشّ الرعاةُ على قطعان أغنام
والحَوْرُ يخفض للسُّمّاق هامته
كما تواضعَ جبّارٌ لأقزام
والريحُ تهمسُ والأفنانُ في قلقٍ
كأنها عاشقٌ يُصغي لنمّام
مُدَّ السِّماطُ فلم أشهد سوى نُجُبٍ
صُيّابةٍ من لُباب العُرب أعلام
فرسانِ علمٍ على خيلٍ مجنّحةٍ
تغزو السماءَ بأوراقٍ وأقلام
فاقوا الليوثَ كما فاقت عرائنهم
شتّانَ بين فراديسٍ وآجام
وعدتُ ريّانَ من ماءٍ ومن أدبٍ
شبعانَ من خَزّ أرواحٍ وأجسام
تُغِذُّ بي وأصيحابي مطهَّمةٌ
لا تُستقاد بأسراجٍ وإلجام
مَطّاطُها من وعود الغرب مُصطنعٌ
وبوقها من أغاني عمّها سام