النفس بعد كهولةٍ وشبابِ
ترنو لعهد غوايةٍ وتَصابِي
حنت لماضيها القديم وراجعت
ذكرى زمان بثينةٍ ورباب
وتطوف آفاق الهوى لا تنتهي
من جيئةٍ شطرَ المنى وذهاب
تحكي عليَّ هوى الغواني بعدما
أسدلتُ فوق هواي سترَ مَتابي
قالت وقد حسبَتْ متابي حائلاً
بين المنى وكواعبٍ أتراب
كم للهوى من عودةٍ بعد النوى
مجنونةٍ برغائب الأحباب!
فأجبتُها والقلبُ رائدهُ التُّقى
إني لأخشى الله يومَ حسابي
حسبي فُتنتُ هوًى ومن لم يفتتنْ
شغفًا بوصل نواهدٍ وكعاب
أيام أغراني الهوى إن الهوى
يغري كثيرًا من ذوي الألباب
أفنتْ شبابي الغانياتُ وتاه من
سُكرٍ بهن عن الرشاد صوابي
فجعلنَ أسبابَ الطّموح كثيرةً
والنفس تهوى كثرةَ الأسباب
قالت وفيكَ من الشّباب بقيةٌ
والعمر متسعٌ لنيل ثواب
ما شئتَ شَبِّبْ بالغواني فالمنى
بين الشفاه اللُّعْسِ والأهداب
وامرحْ بساح الحبّ لا حرجٌ على
أهل الهوى والحب غيرُ مُعاب
تصفو الحياة لشاربٍ كأس الهوى
ولَمى المهاةِ يكون خيرَ شراب
وإذا الحياة من الصّبابة قد خلت
فهي القشور غدت بغير لباب
وإذا خشيتُ عذابَ يومٍ آخِرٍ
يوم الحساب فإن ذاك عذابي
حتى إذا شاء الإله هدايتي
وقد استنرتُ بسنّةٍ وكتاب
ذلَّلْتَ أطماعي وهل من طامعٍ
لا ينتهي بحياته لذهاب؟
ووقفتُ مرتابًا يدافعني الحجا
عن موقفٍ يقتادني لعقاب
ورجعتُ عن سبل الغواية سالكًا
سبُل التُّقى ومناهج الآداب
وصددتُ عنها ثم قالت ما الذي
يثنيك عن أن لا ترُدَّ جوابي؟
فأجبتُها إن الصّبابة موردٌ
كَدِرٌ وكانت مصدر الأتعاب
لا ، لا أعود إلى التجنّي بعدما
طهّرتُ من دنس الذنوب ثيابي
إني أودُّ لقاء ربّي مالئًا
من عفوه يوم المعاد وِطابي
ألقاه عُريانَ الذّنوب ولا أرى
ما بيننا يومًا رقيقَ حجاب