يَا دَارُ يَا دَارَ أَطْرَابِي وَأَشْجَانِي
أَبْلَى جَدِيدَ مَغَانِيكَ الْجَدِيدَانِ
لَئِنْ تَخَلَّيْتِ مِنْ لَهْوِي وَمِنْ سَكَنِي
لَقَدْ تَأَهَّلْتِ مِنْ هَمِّي وَأَحْزَانِي
جَادَتْكِ رَائِحَةٌ فِي إِثْرِ بَاكِرَةٍ
ثَرْوِي ثَرَى مِنْكِ أَمْسَى غَيْرَ رَيَّانِ
حَتَّى أَرَى النَّوْرَ فِي مَغْنَاكِ مُبْتَسِمًا
كَأَنَّهُ حَدَقٌ فِي غَيْرِ أَجْفَانِ
لَمَّا وَقَفْتُ عَلَى الْأَطْلَالِ أَبْكَانِي
مَا كَانَ أَضْحَكَنِي مِنْهَا وَأَلْهَانِي
فِي كُلِّ يَوْمٍ أَرَى لِي مِنْ جِنَايَتِهَا
فَيْضًا أَمَا يَنْتَهِي عَنْ ذَنْبِهِ الْجَانِي
فَمَا أَقُولُ لِدَهْرٍ شَتَّتَتْ يَدُهُ
شَمْلِي وَأَخْلَى مِنَ الْأَحْبَابِ أَوْطَانِي
وَمَا أَتاَنِي بِنُعْمَى ظَلْتُ لَابِسَهَا
إِلَّا انْثَنَى مُسْرِعًا مِنْهَا فَعَرَّانِي
وَمَهْمَهٍ كَرِدَاءِ النَّشْرِ مُشْتَبِهٍ
نَفَذْتُهُ وَالدُّجَى وَالصُّبْحُ خَيْطَانِ
وَالرِّيحُ تَجْذِبُ أَطْرَافَ الرِّدَاءِ كَمَا
أَفْضَى الشَّقِيقُ إِلَى تَنْبِيهِ وَسْنَانِ
حَتَّى طَوَيْتُ عَلَى أَحْشَاءِ نَاجِيَةٍ
كَأَنَّمَا خَلْقُهَا تَشْيِيدُ بُنْيَانِ
كَأَنَّ أَخْفَافَهَا وَالسَّيْرُ يَنْقُلُهَا
دِلَاءُ بِئْرٍ تَدَلَّتْ بَيْنَ أَشْطَانِ
لَهَا زِمَامٌ إِذَا أَبْصَرْتُ جَوْلَتَهُ
حَسِبْتُ فِي قَبْضَتِي أَثْنَاءَ ثُعْبَانِ
إِلَى هِلَالٍ تَجَلَّتْ عَنْهُ لَيْلَتُهُ
قَالَ لَهُ اللَّهُ كُنْ فِي خَلْقِ إِنْسَانِ
لَجَّتْ بِنَا هِجْرَةٌ وَالْقَلْبُ عِنْدَكُمُ
فَأَطْلقِي الْقَلْبَ أَوْ فُوزِي بِجِثْمَانِي
أَنَا الَّذِي لَمْ تَدَعْ فِيهِ مَحَبَّتُكُمْ
فَضْلًا لِغَيْرِكِ مِنْ إِنْسٍ وَلَا جَانٍ
فَإِنْ أَرَدْتِ وِصَالًا فاقْبَلِي صِلَتِي
مِنِّي وَإِلَّا فَهِجْرَانًا بِهِجْرَانِ
مَا الْوُدُّ مِنِّي بِمَنْقُولٍ إِلَى مَذِقٍ
وَلَسْتُ أَطْرَحُ نَفْسِي حَيْثُ يَلْحَانِي
مَا الْوُدُّ مِنِّي بِمَنْقُولٍ إِلَى مَذِقٍ
وَلَسْتُ أَطْرَحُ نَفْسِي حَيْثُ تَلْحَانِي
وَلَا أَرِيدُ الْهَوَى إِنْ لَمْ يَكُنْ كَهَوَى
نَفْسِي وَبَعْضُ الْهَوَى وَالْمَوْتُ سِيَّانِ
وَرُبَّ سِرٍّ كَنَارِ الصَّخْرِ كَامِنَةٍ
أَمَتُّ إِظْهَارَهُ مِنِّي فَأَحْيَانِي
لَمْ يَتَّسِعْ مَنْطِقِي فِيهِ بِبَائِحَةٍ
حَزْمًا وَلَا ضَاقَ عَنْ مَثَوَاهُ كِتْمَانِي
وَرُبَّ نَارٍ أَبَتُّ الْجُودَ يُوقِدُهَا
فِي لَيْلَةٍ مِنْ جُمَادَى ذَاتِ تَهْتَانِ
يُقَيَّدُ اللَّحْظُ فِيهَا عَنْ مَسَالِكِهِ
كَأَنَّهَا لَبِسَتْ أَثْوَابَ رُهْبَانِ
مَازِلْتُ أَدْعُو بِضَوْءِ النَّارِ مُغْتَرِبًا
يُغْرِي دُجَى اللَّيْلِ مِنْهُ شَخْصُ حَيْرَانِ
وَقَدْ يَشُقُّ غِمَارَ الْحَرْبِ بِي فَرَسٌ
مُسْتَقْدَمٌ غَيْرُ هَيَّابٍ وَلَا وَانِ
وَكُلُّ قَائِمَةٍ مِنْهُ مُرَكَّبَةٌ
فِي مَفْصِلٍ ضَامِرِ الْأَعْصَابِ ظَمْآنِ
بِحَيْثُ لَا غَوْثَ إِلَّا صَارِمٌ ذَكَرٌ
وَجُنَّةٌ كَحُبَابِ الْمَاءِ تَغْشَانِي
وَصَعْدَةٌ كَرِشَاءِ الْبِئْرِ نَاهِضَةٌ
بِأَزْرَقٍ كَاتِّقَادِ النَّجْمِ يَقْظَانِ
سَلِي فَدَيْتُكِ هَلْ عَرَّيْتُ مِنْ مِنَنِي
خَلْقًا وَهَلْ رُحْتُ فِي أَثْوَابِ مَنَّانِ
وَهَلْ مَزَجْتُ صَفَائِي لِلصَّدِيقِ وَهَلْ
أَوْدَعْتُ يَا هِنْدُ غَيْرَ الْحَمْدِ خَزَّانِي
وَلَا عَقَقْتُ بَحَبْسِ الْكَأْسِ سَاقِيَتِي
وَلَا عُقِقْتُ وَظَلَّ الدَّهْرُ يَنْعَانِي
أَسْرَرْتُ حُزْنًا بِهَا فِي الْقَلْبِ مُضْطَرِبًا
وَرَاحَ يُنْبِيِ بِغَيْرِ الْحُزْن إِعْلَانِي
وَقَدْ أَرِقْتُ لِبَرْقٍ طَارَ طَائِرُهُ
وَالنَّوْمُ قَدْ خَاطَ أَجْفَانًا بِأَجْفَانِ
فِي مُكْفَهِرٍّ كَرُكْنِ الطَّوْدِ مُصْطَخِبٍ
كَأَنَّ إِرْعَادَهُ تَحْنَانُ ثَكْلَانِ