أَنتِ غَيْثٌ مِنَ السَّمَاءِ أَتَانِي
كُنتُ فِي التِّيهِ ظَامِئاً فَرَوَانِي
كُنتُ وَحدِي أَقتَاتُ دَمعَةَ حُزنِي
وأُدَارِي مَا فَاضَ مِن أَحزَانِي
نَقرَةٌ مِنكِ فَوقَ شُبَّاكِ قَلبِي
أَيقَظَتْنِي، وحَرَّكَتْ أَغصَانِي
فَنَمَا الفُلُّ فِي حَدِيقَةِ رُوحِي
وزَكَا اليَاسَمِينُ فِي أَحضَانِي
وتَجَلَّتْ بِالشَّدوِ طَيرُ حَنِينِي
فَسَقَتْنِي مِن أَعذَبِ الأَلحَانِ
أَنتِ يَا مُزنَةً سَمَتْ بِفَضَائِي
وتَهَادَى أَرِيجُهَا النُّورَانِي
أَمِنَ الغَربِ سَاقَكِ الرِّيحُ نَحوِي
أَم مِنَ الشَّرق سِرتِ بِاطمِئنَانِ
أَفُرَاتاً عَذباً سُقِيتِ ونِيلاً
جَاءَ بِالخَيرِ مِن عَلِيِّ الجنانِ
جَاءَنِي مِن عَدنٍ بِفَوْحِ عَبِيرٍ
وسَقَانِي مِن خَمرِهِ مَا سَقَانِي
وَيْ كَأَنِّي بِكَوْثَرٍ يَتَبَاهَى
فَوقَ أَرضِي فِي حُسنِهِ الرَّبَّانِي
يتَمَشَّى فَوقَ الأَدِيمِ بِسَاقٍ
مِن لُجَيْنٍ وأُختُهَا مِن جُمَانِ
وبِعَرضِ السَّمَاءِ يَبسُطُ كَفّاً
مِن حَرِيرٍ بِأَلفِ أَلفِ بَنَانِ
وَيْ كَأَنِّي أَرَى بِعَيْنَيكِ سِحراً
وجَمَالاً بِالنُّورِ يَكتَحِلانِ
فَإِذَا مَا جَنَّ الظَّلامِ أَرَانَا
نَتَنَاجَى، كَأَنَّنَا قَمَرَانِ
مُزنَةٌ أَنتِ والجَنَاحُ كَسِيرٌ
فَاْحمِلِينِي عَلَى جَنَاحِ الأَمَانِي
اِحمِلِينِي إِلَى فَضَاءٍ بَعِيدٍ
فِيهِ أَنسَى فَظَائِعِ الإِنسَانِ
فِيهِ أَنأَى عَن نَارِ كُلِّ حَقُودٍ
وحَسُودٍ ومُدَّعٍ وأَنَانِي
عَن خُيُولِ المَنُونِ فِي النَّاسِ تَرعَى
ودِمَاءٍ تَجرِي بِكُلِّ مَكَانِ
عَن حُرُوبٍ وفِتنَةٍ وشِقَاقٍ
أَبعِدِينِي، وبَدِّدِي أَشجَانِي
اُنثُرِينِي فَوقَ البَسِيطَةِ بَرداً
وسَلاماً، يُطفِي لَظَى الظَّمآنِ
واْزرَعِينِي يَا مُزنَةَ الخَيرِ قَمحاً
يَمحَق الجُوعَ فِي رُبَا أَوطَانِي
إِنَّهُ الحُلمُ، فَاْحمِلِينِي إِلَيْهِ
رَغمَ أَنفِ القُيُودِ والسَّجَّانِ
وخُذِينِي مِن عَالَمِي، فَجُفُونِي
تَتَشَهَّى رُؤيَاكِ كُلَّ أَوَانِ
سَوفَ أَبنِي فِي حُلمِنَا لَكِ قَصراً
فِيهِ نَعدُو، كَأَنَّنَا طِفلانِ
سَوفَ أَتلُو عَلَيكِ سِفرَ غَرَامِي
وكِتَابَ المُتَيَّمِ الوَلهَانِ
أَنتِ يَا أَنتِ يَا قَصِيدَة حُبٍّ
فِيكِ مَا فِيكِ مِن بَدِيعِ المَعَانِي
أَنتِ غَيثٌ سَقَاكِ رَبُّكِ طُهراً
فَأرَقْتِ الحَيَاةَ فِي شِريَانِي
وتَرَبَّعتِ فَوقَ عَرشِ فُؤَادِي
وأَنَختِ الرِّكَابَ فِي وُجدَانِي
أَتُرَانِي وَفَّيتُ حَقَّكِ وَصفاً
لا ورَبِّي، فَفِيكِ حَارَ بَيَانِي