هذا الغروبُ وهاتِهِ الأحجارُ
سوداءُ قد عبثت بها الأخطارُ
هذا الخِضَمُّ تموجُ فيه مياهُهُ
إقبالها في إثره إدبار
هذا الخِضَمُّ يعبُّ فيه عُبابُه
حتى يكاد يطير منه شرار
أتخيَّلُ الأمواجَ منه حوادثًا
تنتاب من عبست له الأقدار
تعلو وتسفل كالزَّمان بدولةٍ
ظلمت فكان جزاءَ ذاك دمار
يا أيها البحرُ العظيمُ مهابةً
فنيت لك الأموال والأعمار
كم فيك في جوف الليالي تقطّعت
أشلاءُ قد جُهِلَتْ لها الآثار!
كم فيك قد غربت شموس أوانسٍ!
كم فيك قد أخذ البدورَ سِرار!
يا بحرُ كم أيتمتَ صبية هالكٍ
ما أذنبوا في العالمين وجاروا!
يا بحرُ كم أثكلت أمّاً بابنها
فانهلّ دمعُ عيونها المدرار!
يا بحرُ كم أيأستَ عاشقَ ذا رجًا
لمّا نعت أحبابه الأخبار
يا بحرُ إنك في الجلالة آيةٌ
منها جلال جبالها لَيغار
حفَّتْ شواطئك الحجارةُ مثلما
حفّت جِنانَ المتقين مَضار
فيك الغزالة ترتوي بأشعّةٍ
تغشى بها وجه البسيطة نار
يا بحرُ فيك عجائبٌ ومصائبٌ
فلأنت فيك تَحيَّرُ الأفكار
يا سعدَ من فوق البحار لقد ثوى
وتباعدتْ عن ناظريه ديار
يا ليتني من فوقها وتُقِلُّني
سفنٌ تخلَّلَ جوفَهنَّ بخار
فأقطِّع الحزن الكمين وأرتمي
متخبِّطًا والماء منه ستار
وأعانق الأمواج منه سباحةً
يخبو بذاك من الهموم أُوار
يا بحرُ ما لك لا تجيب مفكّرًا
في وحدةٍ تنتابه الأكدار
فاقبلْ خيالي يا خِضَمُّ فإنني
في وحدتي لتزورني الأشعار
وعلى دويِّ الموج مني تحيةٌ
ما ظلَّ في جوف الليالي منار