رفقًا بعينك إذ فاضت مدامعُها
وقد رأت موطنَ الأحباب والحِلَلا
من بعد عشرين عامًا ما وقفت بها
على الديار فجاش الدمعُ منهملا
فالشطُّ أخضرُ يكسو النبتُ جانبَه
والنخلُ سامَقَ في عليائه الجبَلا
والزارعون شجاهم ثَمَّ ظِلُّ ضحىً
كأنه من جنان الخُلد قد نزلا
والنهر يمشي ثقيل الخطو متَّئدًا
فالصيف جفف من عزْماته جَلَلا
والسائرون إلى مصرٍ على ثقةٍ
بالعيش في كنفٍ ما يعرف الدَّخَلا
هذا القطيعُ قطيعُ النوق أعرفه
منذ الطفولة في حلٍّ أو ارتحلا
حاديه بالنغَمِ المُشجي يقول له
سِرْ في طريقك لا تحفل بمن خَطَلا
إن نحن جئنا إلى أسوان حطَّ بها
رحلُ الصعاب وكانت دهرَها أملا
الماء جُمِّع في خزّانها فغدا
كأنه البحر يحكي عمقُه الأَزلا
يسقي الكنانة حيّاها الحَيَا بلدًا
بالخير جادت ولم تعرف لها مطلا
تُغيثُ بائس ربعٍ خاملٍ نزقٍ
أخنى عليه زماني فاصطفى الدَّجَلا
إن أَنْسَ لا أنسَ يومًا كان فيه هنا
يعيث فسقًا وظلمًا مسعَرًا عجلا
حتى رمته بوادي التيهِ راميةٌ
صماءُ لا تنتقي حَينًا ولا أجَلا
دهته فارتاع من بأسائها وجرى
كاللص ينبحه كلبان ما غفلا
وثورة الشعبِ غالت منه ذا سفهٍ
تجاوز القصد فيما قال أو عَمِلا
فهمُّه لذةٌ يسعى لها لهفًا
والعيش في عرفه ضدان ما اكتملا
إما طريق غواياتٍ ومَفسدةٍ
أو شعوذاتٍ على أحكامها خَبَلا
يا جيرة النيل حُبِّي ربعَكم كلفٌ
بالخُلق والعلم لا أبغيهما بدلا
فمصر مهد حضاراتٍ مؤثلَّةٍ
منذ الفراعين لم يُحصوا لها زلَلا
إن جاءها الغزو ما ارتاعت لمقدمه
«قمبيز» تبلعه الصحراءُ منخذِلا
والنوبُ نحو الشَّمال الرَّطب قد دلَفوا
بجيش غزوٍ لُهامٍ أسقَطَ الوجَلا
وقد أَتوْها وحازوها بأجمعِها
رِدحًا من الدهر حتى نجمُهم أفلا
ثم البطالس لليونان ما انتسبوا
فروحُ مصرَ تذيب الهمَّ والعِلَلا