رأيتُ سفيناً في المنام تَوسَّطتْ
بها ركْبُها الميمونُ في لجَّةِ النهرِ
تَقاذَفُها الأمواجٌ من كل جانبٍ
و تصفعُها الأنواءُ في عُنْفِها المزْري
كأن جنوناً إعتراها وما بها
سوى جِنَّةِ الإعصارِ تجعلها تجري
كأن حزيناً بالأسى يدفع الأسى
مُسخِّرُها الملاحُ في عُمْرهِ القهْري
تفيض دماءُ القلب من لوعةٍ به
تُقطِّعُ في الأحشاء والقلب والنَّحْر
فيا لَرزايا تدفعُ المرءَ عامداً
إلى حتْفِهِ المعلوم في السرِّ والجهْر
وترقبها في اليَمِّ للموت أعينٌ
مسهَّدَةُ الآفاق مَشْنوءَةُ المكْر
تَطايرَ في جوف الظلام شَرارُها الشْ
شِرّيرُ من قلب بوتقةِ الشرّ
ولاقت نفوسُ القوم ذُعْراً مقطّعاً
من الهمِّ والتبريح في سَفَرٍ نُكْر
فويلي عليهم فارقَ الأهلَ كلّهم
وما صبرُهم حين التفرُّقِ بالصبر
هو الله يُجْري في الأنام قضاءَه
بما شاء من نفعٍ، وما شاء من ضرّ
وليس امرؤٌ في فعله بمخيَّرٍ
ولكنه بالرغْم يفعل ما يجري
على الطائر الميمون ركْبٌ تداركوا
ببطن سفينٍ لا إلى وجْهةٍ يجْري
على أهلهم يبكون كالقَطْرِ دمْعُهم
وما دمعُ أهليهم سوى دفقة القَطْر
على الطائر الميمون أمّا قلوبُهم
ففي وَقْدَةِ الأشواق، والهَمِّ، والسَّعْر
على الطائر الميمون، أمّا حياتُهم
ففي لجَّة الأهوال في ثائر البحر
تُطالعهم من ناتئ الصخر بسمةٌ
مُدمْدِمةُ الأهوالِ من باسم الصَّخر
وإن غُضوناً في تجاعيد وجهِها
تُريكَ سوادَ الحزن في بسمة الثَّغْر
تلاقتْ مصيباتُ القيامةِ عندها
تُناصرها الأهوالُ في هوْلِها القَبْري
ألا إن أحزاناً تداعتْ عليهمُ
لكالهَوْلِ في يوم القيامة والحَشْر
وما لتباشير النجاة حيالَهم
سوى لوحةٍ للآلِ في مَهْمَهٍ قَفْر
وما هي إلا طَرْفةٌ ثم ينقضي
رجاءٌ وآمالٌ تهاوتْ إلى القعر
وليس لقلبِ الهوْلِ بالناس رأفةٌ
ولا رحمةٌ تعفو، ولا دمعةٌ تجري
حنانَيْكِ يا أهوالُ إني معذَّبٌ
لقد زعزَعَ الزَّعْزاعُ ما كان من صبري
ومَنْ ذاك؟ هل ذاك التجاني؟ فجعتني
به فجْعةَ المفْؤُودِ في ضحْوة العمر
يقلّب نحو الشرق نظرةَ وامِقٍ
كأنَّ به شوقاً إلى مطلع الفجر
أفي ضحوة الأعمار يذوي شبابُنا
وتَسَّاقطُ الأوراق من فَنَنٍ نَضْر
و تمضي بَداداً للعواصف والدُّجَى
دَراكاً إلى المحْجوبِ أو غيهَبِ السِّرّ
حنانيكَ وَقَّادَ الذكاءِ فإننا
سنشربُ من كأس المنيَّةِ بالغمر
فإِنا خُلقنا للمصائب ما لَنا
سوى موتِنا المعهود يا ضيعةَ العمْر
كأن حياة المرءِ زهرةُ نرجسٍ
تُضاحِكُها الأنوارُ في مطلع الفجر
وما هي إلا أن تهبَّ عواصفٌ
عليها، فتجْتثَّ الفروعَ مع الزَّهْر
على الطائر الميمون هذي مدامعي
أيا زمرةَ الخِلاّنِ في لَذْعَةِ الجمْر
فما مات منكم من تخلَّفَ ذكرُهُ
على القلب منقوشاً على صفحة الدهر
على أننا الأموات نشقى ببُعدِكُم
وتَنْتاشُنا الأحداثُ في عالم الوِزْر