إلى الشاعر العربي:
عبد الرسول معلة
لا يَعرِفُ الثَّلجَ مَن لَم تَكْوِهِ النَّارُ
و لا الجِوَارَ سِوَى مَن شَانَهُ الجَارُ
ولَيسَ يُبصِرُ لَونَ الصِّدقِ ذُو كَذِبٍ
و لا استَشَاطَ لِقَولِ الحَقِّ غَدَّارُ
الشَّمسُ تُشرِقُ فِي الإِصبَاحِ، يَتبَعُهَا
إِذَا غَفَت فَوقَ صَدرِ اللَّيلِ أَقمَارُ
والكَوْنُ أَوجَدَهُ رَبٌّ، فَسَيَّرَهُ
أَنَّى يَشَاءُ، ولَم تُدرِكْهُ أَبصَارُ
يَا نَافِخَ الكِيرِ: هَل عَادَلتَ نَفثَتَهُ
بِنَفحَةِ العِطرِ إِن بَثَّتهُ أَزهَارُ؟
وهَل تَسَاوَى لَدَى الظَّمآنِ مُلتَحِفاً
رَملَ المَتَاهَةِ، بُركَانٌ وأَنهَارُ؟
أَعُوذُ بِاللهِ مِن شَيطَانِ قَافِيَتِي
مَا كَانَ يَصرِفُهُ وِردٌ ولا زَارُ!
خَمسُونَ شِعراً ونَارُ الشِّعرِ تَلفَحُنِي
و مَوجُ أَبيَاتِهِ فِي الصَّدرِ مَوَّارُ
قَد كَان طَوقَ نَجَاتِي حِينَ يُغرِقُنِي
هَمٌّ، ويُؤْرِقُنِي وَهمٌ وأَفكَارُ
يَغفُو عَلَى وَرَقِي، يُطفِي لَظَى حُرَقِي
يُثنِي عَلَى نَزَقِي، تَزهُو بِهِ الدَّارُ
يَطِيرُ بِي عَبرَ آفَاقٍ وأَخيِلَةٍ
للنِّيلِ، يَجمَعُنَا شَطٌّ وأَسرَارُ
فَأَرسُمُ الوَطَنَ الغَافِي عَلَى كَتِفِي
حَبِيبَةً، حُسنُهَا لِلحُسنِ مِعيَارُ
هِيَ الأَمِيرَةُ والدُّنيَا وَصِيفَتُهَا
هِيَ الوَحِيدَةُ والأَترَابُ أَصفَارُ
هِيَ السَّمِيرُ، عُيُونُ القَلبِ تَحرُسُهَا
هِيَ النَّدِيمُ، لَهَا الدَّقَّاتُ سُمَّارُ
هِيَ الهَزَارُ إِذَا مَا غَرَّدَت، عَجَزَتْ
عَن المُحَاكَاةِ عِيدَانٌ وأَوتَارُ
خَمسُونَ شِعراً، وبَحرُ الشِّعرِ أَركَبُهُ
قَلبِي سَفِينَتُهُ، والعَقلُ بَحَّارُ
كَم جَاءَ فِي وَحشَةِ اللَّيلاتِ يُؤنِسُنِي
و فِي الحَقِيبَةِ أَقلامٌ وأَسفَارُ
يَصُبُّ لِي مِن دِنَانِ الشَّوقِ خَمرَتَهُ
فَتَنتَشِي طَرَباً فِي القَلبِ أَطيَارُ
واليَومَ أَطلُبُهُ، يَأبَى مُنَادَمَتِي
كَأَنَّهُ تَائِبٌ أَعيَتْهُ أَوزَارُ
أَقُولُ يَا صَاحِبِي: قَد حَانَ مَوْعِدُنَا
فَهَل سَتَتْرُكُنِي فِي الوَهمِ أَحتَارُ؟
قَد كَانَ عَهدَ وَفَاءٍ أَنتَ صَاحِبُهُ
و لَيسَ يُقبَلُ فِي الإِخلاصِ أَعذَارُ
عَبدَ الرَّسُولِ: لَقَد جَفَّ المِدَادُ، فَخُذْ
يَا صَاحِبِي يَدَ مَن جَافَتْهُ أَشعَارُ
فَقَد عَهِدتُكَ لِلإِبداعِ جَامِعَةً
أُوُلَى مَبَادِئِها: حُبٌّ وإِيثَارُ
عِلمٌ وحِلمٌ وصَبرٌ لَيسَ يُدرِكُهُ
إلا قَوِيٌّ عَلَى الأَحمَالِ صَبَّارُ
أَقَمتَ بَيتاً، مَعِينُ الصِّدقِ مَوْرِدُهُ
و البَيتُ دُونَ مَعِينِ الصِّدقِ يَنهَارُ
رَأَيتُ دِجلَةَ مُختَالاً بِسَاحَتِهِ
و لِلفُرَاتِ عَلَى الأَعتَابِ إِبهَارُ
نَادَى العِرَاقُ، فَلَم تَبخَل بِقَافِيَةٍ
يَرَاعُكَ الحُرُّ مَا حُمَّ القَضَا نَارُ
ثَارَ العِرَاقُ، فَخَارَ الظُّلمُ مُنهَزِماً
فِي دُبْرِهِ اْلخِزيُ، فِي أَعقَابِهِ اْلعَارُ
غَنَّى العِرَاق، فَكَان السِّلمُ أُغنِيَةً
لَهَا تَمِيلُ أَفَانِينٌ وأَزهَارُ
يَا صَاحِبَ العِلمِ: بَعضُ العِلمِ مَفسَدَةٌ
و كُلُّ عِلمِكِ للطُّلاَّبِ أَشجَارُ
يَا كَم تَفَيَّأتُ ظِلَّ الحَرفِ مُستَمِعاً
للدَّرسِ، نَافِلَتِي شُكرٌ وإِكبَارُ
قَطَفتُ مِن رَوضَةِ الأَشعَارِ سَوْسَنَةً
أَهدِي لِمَن ذِكرُهُ فِي النَّاسِ مِعطَارُ
غداً أَمُوتُ ويَقتَاتُ الرَّدَى جَسَدِي
فَاْقرَأْ قَصِيدِيَ،إِنَّ الشِّعرَ تَذكَارُ