"أَدُونيسُ" مهلًا
إلى أينَ تمضي
وكلُّ البحارِ أمامكَ نارٌ تريدُ التهامَ شراعِكْ؟
وأنتَ تقومُ صباحًا وظُهرًا وليلًا
لتُحييْ طقوسَ صلاةٍ تخاطبُ فيها إلهًا جديدًا غريبًا عن النّاسِ يأبى ذبائحَهم ومزاميرَهم
ويحبُّ اصطخابَ صراعِكْ
تقولُ :
أنا جئتُ يومًا لهذي البراري وأصبحتُ وحدي أشذّبُ غصنيْ
وأحفظُ لونيْ
وأنقشُ حَرفيْ
وأرسمُ وجهيْ
وأصنعُ عُوديْ
وأشدوْ أناشيدَ أخرى بطعمِ السّؤالِ وطعمِ الخلودِ
وأعشقُ ذاتيْ أدلِّلُها وأغازلُها
كنتُ وحدي غريبَ الملامحِ
ما كنتُ طينًا وماءً
ولا كنتُ لحمًا وعظمًا
لعلّي وُلدتُ من البرقِ
أو مِنْ سحائبَ نشوى ترشُّ نبيذًا على الأرضِ لا مطرًا
ولعلّي رضعتُ حليبَ أُسودٍ فصرتُ أقاتلُ مهديْ
وأرفضُ نومًا يسلّمُني للفراغِ وللعتْمِ والّلغزِ
كم كنتُ أسمعُ أمّيْ تحذّرُني :
يا بنيَّ توقّفْ كفاكَ
فأنتَ صغيرٌ
تمهّلْ
ولا تتورّطْ بنشرِ دخانِ الجنونِ
وعشْ كالصّغارِ وكن مثْلَهم ولدًا عاقلًا ولطيفًا
وأطفِئْ لهيبَ التياعِكْ
"أَدُونيسُ"
أين تسيرُ
وأيَّ شواطئَ تبغي؟
وثوبُكَ جمرٌ يولِّدُ جمرًا
يحرِّقُ فيكَ حشيشَ الهدوءِ وقمحَ السّكوتِ؟
فتصرخُ :
لن أنحنيْ
لن أصيرَ كما يطلبونَ
فإنَّ صهيلَ القوافي بصدري قويٌّ وحيٌّ
وإنّي حصانُ المعاني
سأجري وأجري
وألهو بساحاتِ حربٍ تطولُ
وتنمو كعشبٍ أتاهُ الرّبيعُ
ولن أتركَ الرّملَ يوقفُ خطويْ
ولن يمنعَ الشّوكُ رقصيْ
وكهفُ جدوديْ القديمُ المخيفُ المُخصِّبُ دودًا سأبعدُ عنهُ وأهدمُهُ وأحاولُ أنْ أبتنيْ مِنْ صخوري بيوتًا تعيدُ شبابَ الحياةِ وتطردُ عنها هياكلَ موتى سئمنا روائحَهم
وتقولُ لمن لمْ يقُمْ بعدُ :
قمْ وارتحِلْ عن صحارى سعتْ لابتلاعِكْ
"أَدُونيسُ"
أين تحطُّ الرّحالَ؟
فإنّكَ دختَ
تعبتَ كثيرًا
وأنتَ تخوضُ مجاهلَ فِكْرٍ تعِجُّ بما غابَ عنّا
وأخفاهُ كهّانُنا كي نُغيَّبَ عن شجرِ الفهمِ
تلفحُنا شمسُ جهلٍ وشكوى
ونبقى عراةً وجوعى ونشحذَ منهم رغيفًا بهِ لا نموتُ
وأيضًا بهِ لا نعيشُ
تطاردُنا خيلُهم فنخافُ ونهربُ مِنْ لغةٍ تُنطِقُ الصّخرَ شِعرًا إلى لغةٍ ماتَ فيها الكلامُ
ونجترُّ مِلْحَ الغيابِ ونغفو ونُنسى
تعبتَ
وأنتَ تفتّشُ عن وطنٍ يُبتنى مِنْ غصونِ حياةٍ تنادي العقيمَ ليُنجِبَ ضوءًا ومعنى
ولمْ ترضَ أنْ ترتديْ ما تَخيطُ القبيلةُ
وانطلقتْ للعلاءِ نسورُ اندفاعِكْ
"أَدُونيسُ"
أين ستذهبُ يا أيّها الثَرُّ بالمُشتهى؟
صوتُنا فيكَ أقوى وأعلى وأحلى
فدُمْ بطلًا في اقتلاعِ السّعالِ
وأبطِلْ سمومَ الأفاعي
وحارِبْ جحافلَ قيءٍ أتتْ وستأتي علينا
وحينَ يجيءُ زمانٌ رديءٌ
قبيحُ الشّفاهِ سنصرخُ :
آهٍ
"أَدُونيسُ"
كم نحنُ نحتاجُ
والسّيلُ مِنْ كلِّ صوبٍ يهاجمُنا لصمودِ جدارِ قلاعِكْ