أسرَجوا الجوَّ، وامتطوْه ركابا
ثم مَرُّوا فوق السحاب سحابا
زاحَموا النون في البحار، وراحوا
يتحدَّوْن في الهواء العقابا
ضيَّقوا رقعة البسيطة حتى
لم يعد يشتكي بنوها اغترابا
راكبي الجوِّ، قد ركبتم ذلولا
لا وهادًا خشيتمو، أو هضابا
انطلقتم، وسار يحبو فيكبو
من حدا الفلك والمهار العرابا
ليت شعري: متى أراكم غلوتم
فمددتم إلى السها أسبابا؟
وركبتم متن الأثير سراعًا
وكشفتم عن النجوم الحجابا؟
ليس من ينعت الكواكب رجمًا
مثل راءٍ فقال صوابا
زورقٌ شق في الهواء طريقًا
فكأن الهواء صار عبابا
طائر ليس كالطيور، صقيلٌ
مستقيم الجناح، صُلب الذُّنابي
نفخوا الرُّوح فيه، وهْو جماد
وكسوهْ من الحديد إهابا
معرق؛ أمُّه الحضارة، والعل
م أبوه، إذا أراد انتسابا
تنحني الريح إذ تراه وتمشي
زُمَرُ الطير خلفه أسرابا
ملك في السلام حتى إذا ما
خاض نار الحروب، كان شهابا
إن أرادوا السلام كان حماما
أو أرادوا الحروب كان غرابا
كم رمى الغاز، فاستحال شجاعا
تستعير الحيّات منه اللعابا
قذَف الأرضَ باللظى، وتولى
في حمى الجو آمنًا أن يُصابا
ربَّ سهم في الجو أصمى، وسهم
في الثرى عيَّ أن يصيد الذبابا!
أيها الطائرُ المحلق نحسًا
أنت أحدثْتَ في الوجود انقلابا
كم مقتنا لأجلك النور مقتًا
وكرهنا المناخ إن هو طابا
واستطبنا الرياح إن هي ثارت
وطلبنا الدجى، ورمنا الضبابا
قد بلوناك عاديًا، فوجدنا
ك أحدَّ الطيور ظفرًا ونابا
لك: عدوُ الظباء سارت خفاقًا
وزئيرُ الأسودِ ثارت غضابا
هتف الخلقُ للعلوم زمانًا
وانْجَلى برقها فكان سرابا
ظنها تعمُرُ الوجود؛ فكانت
معولاً يترك الوجودَ خرابا!