مرشدُ الأرواحِ مولانا جلال
شيخنا الرومي علويُّ المثال
مشرقُ الإيمانِ قدسيُّ الضمير
و هو في قافلةِ العشق أمير
قد علا منزلةَ الشمس مقاما
ضارباً في مسبح النجم خِياما
قلبهُ في محكمِ الذكر صفا
بهدى القرآنِ أضحى مُصحفا
لو رأى مرآته بين الملا
جام (جمشيد) توارى خجلا
رأيه المرسلُ بالعشق نَدَاه
أشعل الثورةَ في قلبي صداه
قال شيئاً سَمِعَته فطرتي
و تجلَّى نغماً في فكرتي
أممُ الدنيا صَحَت بعد سبات
و استبانت كُنهَ أسرار الحياة
و أفاقَ الشرق من نومٍ طويل
يكسرُ الأغلال و القيد الثقيل
جذبةٌ واتته من دفع القدر
فأزاح العبءَ عنه و انتصر
أممُ الغرب تبينتَ مداها
ما اكتوى مثلك حيٌّ بلظاها
كن كإبراهيم سُكراً و هُياما
لتصير النارُ برداً و سلاما
اجعل الأصنام في الأرض هشيما
لا تغادر هيكلاً منها قديما
منْ ضمير الشعب من إيمانه
تنبتُ الثورة في وجدانه
هي نورٌ يجتليه المُصلحونا
قاصرُ العقل يسمِّيها جنونا
إن قوماً للهوى يستسلمون
لم يقُمْ فيهم جنونٌ ذو فنون
لن يقيموا نهضةً تمحو الهوان
ما لهم في ساحة المجد مكان
كلُّ من تحتَ الفضاء الأزرقِ
لم يجاهدْ فكأن لم يُخلقِ
ثقة المؤمن بالله عتادْ
فتوكَّل و اعتزمِ نحو المراد
شيمة المؤمن عزمٌ و ثقه
حيثما همَّ بأمرٍ حققه
بهما يسمو و يمضي قاهرا
لا أرى اليائسَ إلا كافرا
نظرةُ المؤمنِ مصباحٌ منير
فهو بالخيرِ و بالشرِّ بصير
عزمه الوثَّاب لا يخشى الصعابا
تاركاً ما عمَّر الظلم خرابا
حوَّلت ضربته صُمَّ الصَّفا
و الجبالَ الشُّمَّ قاعا صفصفا
يدرك الآمالَ بالفقر الغيُور
و هو للأجيالِ بعثٌ و نُشور
و مضى عازفُ ناي العاشقين
يرسلُ الإلهام و القول الرصين
حين أدركتَ المنى في صحبتي
ثملاً من خمرها في حانتي
حال في نشوتك العزم الصميم
لم تعد تحفلُ بالوهم القديم
كنْ من الرَّوض قريباً نائيا
كالشَّذا يسري خفيا باديا
بين ألوانِ الروابي واعيا
و من الألوان طرَّاً خاليا
كن مع الكلِّ على هَدْي الإله
و بدون الكل لا ترجو سواه
قوة الروح هي السحر العجاب
أهلُ هذا العصر عنها في احتجاب
فلديهم حبُّ غيرِ الله دين
و لغيرِ الله ذلُّوا صاغِرين
ذلك السرُّ و هذي المعرفة
فيهما حيرةُ أهل الفلسفة
منذ بدء الخلقِ في ماضي السنينا
لم يجاوزْ فكرُهم ماءً و طينا
حُرمتْ أعينهم نورَ القلوب
و معينُ العشقِ منهم في نضوب
لم يروا في الكون إلا منظرا
أزرقاً أو أحمراً أو أصفرا
و إذا الأبصارُ لم تُدرك هداها
من سراج القلب ضلَّتْ في ضحاها
فاز حرٌّ جعل الحق مصيره
لم يبعْ يوماً لمخلوقٍ ضميره
من وفى لله روحاً ودما
صان عن قيدِ سواه القَدما
إن سرَّ الأُسدِ في حصن الأجم
لا تعيه في مراعيها النَّعم
ليس كل الخلق أهلاً للعهود
لا تبحْ بالسرِّ إلا للأسود
إن تعاطيتَ مع الصحب المُداما
أبعدِ السَّفلةَ عن حقل النَّدامى
هَبْهُ كسرى هَبْهُ أيضاً قيصرا
لن ترى فيه النَّديم الخيَّرا
لو غدا يوسُفنا يوماً طعاما
في فم الذئبِ و أفناه التهاما
فهو خيرٌ من خسيس يحتويه
و ببخس المال يوماً يشتريه
أهلُ دنيانا تمادوا في غرور
لم يبالوا بمقاييس الأمور
بَهَرَتني نكتةٌ من شاعرِ
بارع الفكر نقيَّ الخاطرِ
ذاتُ معنى نوره مؤتّلِق
كادتِ الروحُ به تحترق
إنه العاشق في أهل الجحود
لم تَزِدْ أسماعهم غيرَ الجمود
فهو يَحْكي مسلماً بات يُعاني
في قُرى الإفرنجِ ترديدَ الأذان
قل لأهل الحقِّ ما يشفي القلوب
قُلْ عن الدِّين و أنباءِ الشعوب
اقبل الهمَّ و لا تأكلْ طعاما
من يدٍ تطعمك الهمَّ دواما
إن يكنْ عيشُك من طولِ الكدرْ
فيه مرُّ الجوع فالذلُّ أمر
الدواء المرُّ للعقل الكبير
فاترك الحلواءَ للطفلِ الغرير
خرقةُ الزاهد عبءٌ للفقير
كن عفيفَ القلب و أنعم باليسير
و اسألِ الأنسام في الروض النضير
ما الذي تحمله غير العبير
إن تكن بحراً قوياً غامرا
فاجعلِ الصحراء سيلاً هادرا
أو تكن طلَّاً فعشْ بين الورود
و ابعثِ العطر سلاماً في الوجود
أنت في الحرب نشيدٌ من دماء
أنتَ في السِّلم رسولٌ للإخاء
إن أهل الحق أربابُ الوفاء
ليس سرُّ الحقِّ عنهم في خَفَاء
نذروا أنفسهم في كل حين
ليعمَّ الخيرُ كل العالمين
و تأمل قطرة الطلِّ الندي
من دجى الليلِ إلى فجر الغدِ
حفظتْ في الكون ذاتيتها
ثم حلَّت في الدجى عُقدتها
و بنى عنصرها شوق الحياه
و استقرَّت حيث أحياها الإله
و مضتْ تجتاز في صمت الفضاء
خلوة الفلاك في جو السماء
جانبتْ أن تجعل البحر الهدف
لم تُردْ أن تتوارى في الصَّدف
بل أقامتْ بين أحضان السحر
لمحةٌ كانت حياة للزَّهر
فتحَ الوردُ بها أجفانه
وسقى من عطره أغصانه
هكذا المؤمنُ رمزُ التَّضحيات
يتفانى في اقتناء الباقيات