ما دامَ يكتبُ صبحُهم ما شاؤوا
فلأيِّ شيءٍ يولدُ الشّعراءُ؟
ولأيِّ شيءٍ نستمرُّ وعمرُنا
لا شيءَ فيهِ وعندهم أشياءُ؟
ولكلِّ شيءٍ قد أتيتُ مسلّماً
عمتمْ جلالاً أيها الشهداءُ
مهما نظمتُ من البيانِ روائعاً
فأجلُّ وصفٍ أنّكم أحياءُ
ويجلُّ منكم أنّكم لا أنّنا
تعطون ما شئتم لمن قد شاؤوا
والنّورُ يركضُ في مجالِ عروقكم
فيُرى دماً لكنّهُ أضواءُ
فإذا استبدّ اللّيلُ يولدُ جرحكمْ
شرقاً فيحزنُ غربُهم ويُساءُ
مُرّوا على الكلماتِ يا مطراً فما
في بئرِ أمّتنا القتيلةِ ماءُ
مُرّوا بنا ثمّ اقتلونا مرّةً
أُخرى لئلا يكبرَ الجبناءُ
واستعمرونا كي نعودَ جداولاً
إنْ نامَ بحرٌ واستبدَّ غُثاءُ
نحن الصّغارُ فعلّمونا بعضَ ما
في سرّكم يا أيّها الكبراءُ
فالوردُ إذْ يهتزُّ ينفضُّ النّدى
فجميعُ ما حولَ النّدى أنداءُ
وإذا تضرّجَ بالشّذا جرحٌ فمن
بوحِ الجراحِ لكلّنا عُرفاءُ
ولكلّنا من بعضكم ما بعضُهُ
كلٌّ وبعضُ البعضِ منهُ شفاءُ
حين الجراحُ تُبينُ عن مكنونها
تعنو الحروفُ وتصمتُ الأدباءُ
ما ضرَّ أجسامَ الكرامِ سلاسلٌ
إنْ صاحبتْها الأنفسُ الطّلقاءُ
مادام في الشّاهينِ همّةُ نفسِهِ
فمكانُهُ أنّى يكونُ سماءُ
ومكانُكم أنّى تكونوا فوق ما
يرتابُ غِرٌّ أو يرى الدّهماءُ
في لا مكانٍ حيثُ كلُّ محبّبٍ
بادٍ وكلُّ حقيقةٍ خضراءُ
يا ذاهباً شطرَ العراقِ وعابراً
ماءَ الفراتِ وفي الفؤادِ ولاءُ
سِرْ في ربوعِ الرّافدينِ مطأطئاً
فهناكَ حطّتْ رحلَها العلياءُ
وإذا رأيتَ هناكَ خِدراً شامخاً
ورمتْ عليكَ بطرفها حسناءُ
خضَبتْ مطارفَها بآياتِ الضُّحى
ولها دماءُ رجالها حنّاءُ
ما زلتُ أعتصرُ الغرام فينتشي
قلبي وتسخو بالجنى الصّهباءُ
واخترتُ من كرمِ الشّموخِ قصيدةً
عنقودُها " الفلّوجةُ " الفيحاءُ
سمّيتُها البحرَ الخضمّ فكيف لا
تهفو إلى شطآنها الصّحراءُ؟
سميتُها الجبلَ الأشمّ فكيف لا
تحتاجُ سفحَ حنانها الحصباءُ؟
سميتُها الفجرَ الطّليقَ فكيف لا
تنسابُ شمسٌ أو يسيلُ ضياءُ؟
أرنو إلى الفلّوجةِ الفيحاءِ في
أرضِ العراقِ فيهتفُ الإنشاءُ
وأرى حروفي صافناتٍ ترتقي
سبلَ الفخارِ فما لها إقصاءُ
أخفيتُ حبّي ما أبوحُ بسرّها
عذراً فقدْ يتعذّرُ الإخفاءُ
يا أرضَها وسماءها وهواءها
طابتْ بكِ الأسماءُ والأشياءُ
تُتلى لكِ الآياتُ في أرواحنا
ولكِ الدّمُ الموهوبُ والأعضاءُ
أنتِ الصّلاةُ على الجراحِ وإنّك ال
معراجُ نحو الله والإسراءُ
يا أجملَ الأوطانِ عذراً إنّما
قادتْ زمامَ ركابنا اللّقطاءُ
"مدريدُ " تحكمنا بمؤتمراتها
و" الشّرمُ" يحمي شيخَهُ العملاءُ
والأزهرُ المصريُّ يهتفُ لا ولا
للموتِ بئسَ الفقهُ والفقهاءُ
وتذوبُ عيدانُ المنابر من أسىً
حين استعارتْ دينَها الخطباءُ
صارتْ صلاةُ الخوفِ فينا عادةً
ركعاتُها لم يحصِها إحصاءُ
قالوا جهادُ اليومِ فرضُ كفايةٍ
ومن الكفايةِ يهربُ الزّعماءُ
"بوذا" حرامٌ أن يُهدّمَ إنّما
بغدادُ لا... مأجورةٌ يا لاءُ
نعرى ونُرمى في العراءِ ونفطُنا
في كلّ عاصمةٍ له ميناءُ
وبنوكُ عالمنا تغصُّ بمالنا
وتجوعُ في أوطانها الشّرفاءُ
يا قابضينَ على الجِمارِ ووِردُهم
عند الصّباحِ وفي المساءِ دماءُ
عطّرتُم الدّنيا برَوحِ دمائكم
ولكم تبوحُ بطيبها الأشلاءُ!!!
مليارُنا صفرٌ وواحدُكم على
أرضِ الرّباطِ كتيبةٌ ولواءُ
لا مال في يدكم ولا نفطٌ ولا
بشرى لكم يا أيّها الفقراءُ
جعتم وأتخمنا الهوانُ فجوعُكم
في الله عِزٌّ أيها الكرماءُ
نحن اشترينا بالرّكوعِ وقوفَنا
قد ضلَّ بيعٌ ثمّ ضلَّ شراءُ
والدّرهمُ المسبوكُ صارَ " محمّداً "
فينا فصدّقَ بعثَه الأمراءُ
والنفطُ صار القبلةَ الأولى... لَهُ
صلّى الملوكُ وكبّرَ الرّؤساءُ
عقدوا النّكاحَ على القضيّةِ خِلسةً
وعلى العروسِ يساومُ الزّعماءُ
قُلْ للّذين عَيُوا بمهرِ عروسهم
الصّومُ عن شرمِ الشّيوخِ وِجاءُ
يا ناسُ كيفَ النّفطُ يصبحُ أوّلاً
وعلى دمي يتآمرُ الدُّخلاءُ
وأقبّلُ الكفَّ التي تغتالُني
وأنا القتيلُ وكفُّهُ الحمراءُ
حمراءُ منّي من دمي منكمْ ومن
دمكمْ وكلُّ وجوهنا سوداءُ
ما أرخصَ الدّنيا إذا سجدتْ على
نعلِ اللّئيمِ عِمامةٌ بيضاءُ
واقرأْ على التّاريخِ إنْ كتبتْهُ...
أولادُ الزّنى والأوجُهُ الصّفراءُ
قممٌ على قممٍ تُباعُ وتُشترى
والبيتُ الاَبيضُ سوقُها السّوداءُ
ضاقتْ بنا ذرعاً جبالُ تهامةٍ
وتبرّاتْ من كفرِنا سيناءُ
ورَثَتْ بفاتحةِ الكتابِ دمشقُ...
بغدادَ الرّشيدِ وأبّنَتْ صنعاءُ
والله لو كنّا بدايةَ جملةٍ
في نحوِنا لتبرّاَ الفرّاءُ
أو كان صخرٌ في عِدادِ رجالنا
لبكتْ على دمعاتها الخنساءُ
أرضَ العراقِ خذي تمامَ قصيدتي
إنّا وربِّ محمّدٍ أُجراءُ
منكِ الوقوفُ على العظامِ ترفّعاً
عنّا ومنّا الرّايةُ البيضاءُ
أنتِ القصيدةُ حينَ بعضُ حروفها
عَبَقٌ وبعضُ حروفها شهداءُ