لولا كشفت من المُثَبَّتِ راحِلَهْ
فَأَضَأْتَ منه سناءَه وفضائلَه
وفتحت فيه نوافذا فتلاحمت
أجزاؤه فشددت منه فواصلَهْ
لا بأس من عبق القديم تثيره
وتَبُثُّ في الجيل الجديد أوائله
فقديم أمسك إن عرضت عتيقه
ورد الشبابُ رحيقه ومناهله
فله من الإلهام ما لا ينقضي
ومن العظات إذا وعيت رسائله
ومن العوالم ما تخوض بموجه
بحرا عميقا ما بلغت سواحله
سبع من السنوات إن قايضتها
تسدي مواجع حملها ونوازله
بركان نار ظل يقذف مُهْلَهُ
حِمما تَصبُّ على الغزاة سوائله
سلمت يمينك كيف يُنْسى ما جرى
ومن الجرائم ما شَهِدْتَ مقاصله
فزمانك الماضي تجاذبه الرؤى
حدثا برد الفعل أثقل كاهله
ومن الحقائق ما يظل مسخرا
يُحمى فتقطف إن حَجَجْت سنابله
تلك الشَّوَابِيرُ استهمنا حظَّها
لِنُقِيل من مَدِّ الظلال زوائله
جَمَعَ الْعدوُ لها حُشُوداً أُرْجِفَت
من كل قاصية تمدُّ بدائله
فعلى طريق البَيَّضِ استنفاره
جرٌّ من العربات يسبق عاطله
ومدينة تيَارَتْ تُتَابِعُ مَدَّهُ
بِتَحَرُّكٍ وِفْق المخطط فَاعَلَه
وحذا من الْأَغْوَاطِ آخر حذوه
ليسدَّ قفْرا بالطريق وقاحله
فكأنما نهر طغى فيضانه
بروافد ثم استزاد جداوله
إن رحت تمخر في عباب دخانها
ونفخت عن قَتَمِ السديم عوامله
فاستقص ممن أُسْكِنوا رحم الوغى
نبأ المخاض ترى المُفَصَّل كامله
من قبل يوم وقوعها رجح الذي
أثنى دواعي الجيش عما حاوله
فالقصد أَفْلُو والمراد بلوغه
سجن المدينة كي يَدُّكَ معاقله
ويفك أسرى السجن من ويلاتهم
ويصد جلاد السجون وصائله
لكنَّ واقعة الخُطَيْفَةِ ألهمت
رُشْدَ المخطط سَيْرَهَا وحواصله
وإذا دنا المحتوم لست بواصل
حبل القضاء ولو ضفرت جدائله
رَتْلٌ يعود بمعزل حين انقضى
تمشيط ما في دوره قد واصله
رصد الجنود له الطريق وتابعوا
آثاره برجوعه ومهازله
بطريق تَاوْيَلَةَ الكمين مفاجئ
أفنى الفصيل جميعه ونواقله
فأحاط لاحقةَ الفصيل أواخرٌ
وأباد سَبْقٌ للجنود عجائله
فقضوا على كل العساكر.. ويلهم
أَمِنوا بسانحة الزمان غوائله
وأتى الظلام يلف ما في يومه
ويثير عن غده الكبير تساؤله
ها قد بدا خيط الصباح مُجَلَّلا
بغلالة لليل أخفت طائله
فإلى اتجاه الْغَيْشَةِ امتد الطري
ق كأنما يُخفي الظلام مداخله
وبدت أعالي السفح خالية فما
لمراقب شيء يُرى إذ حاوله
والجرف قَفْرٌ ما أبان طريقُه
أثرا لراء يستغل أسافله
متربصا بعدوه ووصوله
متيقظا كي لا يريب جحافله
ويُعِدُّ ما في الجهد قبل قدومه
والليل يوشك أن يزيح سدائله
ويُهابُ صمتُ السفحِ والوادى به
أشباحهم تَلج الدجى لتعاجله
والشمس في الإصباح ما حفلت بهم
واليوم أجدر لو أعاد محافله
وصل الدوي على مسافة فرسخ
من قبل أن يسع الطريقُ قوافله
وأطلت الأرتال تتبع بعضها
وغبارها غطى المكان ونَازِلَه
صوت الغناء تداولٌ بفصيلهم
لا ينتهي إلا وآخر واصله
والقهقهات ولغطهم وضجيجهم
أعطى الأمان من استهانَ وغافله
فمراكب تتلو المراكب قبلها
ونواقل لحقت تجر وسائله
وعلى الطريق من الجنوب تمركزت
قوات حق تستظل خمائله
ما من حراك في المحيط وكلما
زحف العدو إلى المرام تجاهله
حتى اعتلى أقصى الطلائع ربوة
في المنتهى بلغ الشريط مفاصله
الله أكبر فالرصاص مسبِّح
حسم الردى سبقَ القضاء وآجلَه
من كل ناحية على طول الشري
ط مُسَدِّدٌ ليصيب منه مقاتله
والشمس باسمة الشروق وأُمْطِروا
فاستقبلوا مزن الرصاص ووابله
وانتابهم رعب فشوَّشَ حالهم
والهول فاجأهم ومد حبائله
شأن المحارب حين يلبس ظلمه
بِتَسَتُرٍ عرَّى النزال رذائله
في الصدمة الأولى تفكك جيشهم
كانت لصالح جيشنا فتناوله
ثُمَّ اسْتعادوا من رباطة جأشهم
شيئا وما حبسوا القضا وزلازله
ألْقَوْا على مد العراء قذائفا
أملا بصوت النار يوقظ خامله
والجيش راح يكثف النيران دو
نَ توقف حتى يعيق قنابله
فتبلبلوا هلعا وأُهْدِر جيشهم
حَمِيَ الوطيسُ وجيشنا ما ماهله
أبدى الثبات وما تزحزح عازما
دَحْر العدو وكان ربك خاذله
أمسوا هشيما والمراكب أحرقت
نصر تعزَّز ما ترى ما عادله
لولا وصول الطائرات وأُنْجِدوا
كان استمر على القتال فواصله
حتى يباد جميعهم أو يؤسروا
وليفتح النصرُ العظيمُ جلائله
يا خائضي لجج الشهادة.. حسبكم
كنتم رجال وسامها وقلائله
فأشِدْ بنصر ما تحقق مثله
إلا بإيمان أضاف نوافله
فلقد تبين أن قتلى جيشهم
قد فاق ألفا حين تحصي حاصله
يا رب فارفع للشهيد مقامه
وأَنِرْ لهذا الجيل منه مشاعله
وارحم بفضلك مخلصا ومحاربا
لزم الجهاد تعاقبا ومناضله
حتى تيسَّر نصرنا بمعاركٍ
أخرى أعَدَّت للقتال بواسله
ثم الصلاة على النبي محمد
من كان أعطى للجهاد دلائله
وعلى صحابته الكرام وآله
ما مجَّد الذكرُ الجميل شمائله