أيُّها الدهرُ لم تَعُدْ مُسْتطابا
منذ واريتَ في الثرَى الأحبابا
وبعثتَ الآلام في كل نفسٍ
وملأت الكؤوس مُرَّا وصابا
وأهجت الأحزان في كل قلبٍ
وتركت الدّيار قاعًا يَبَابا
وأسلت الدماء من كل عينٍ
وجعلت الدّموع تَهْمي انصبابا
إيهِ يا دهرُ فالليالي حُبالَى
مثقلاتٌ وقد يلدْنَ العُجَابا
والذي حيَّر العباد قديمًا
وحديثًا فلم يَحِيروا جوابا
حكمةٌ لم تَعِ العقولُ مداها
ما أزالت عن العقول الحجابا
لا تلمني يا دهرُ إن جَلَّ رُزْئي
وبدا ما يُحيِّر الألبابا
فممات الكرام يُوهِنُ صبري
وذهاب العظامِ يُفْني الصَّوابا
لست أدري - والموت حقّ - أإبرا
هيمُ ولَّى عن الحياة وغابا؟
كان بالأمس مِلْءَ عيني وسمعي
وهُوَ اليوم قد أطال الغيابا
أيكون العظيم في باطن الأر
ضِ ونَحْثو فوق العظيم التُّرابا
أيّها القوم كيف يجمع قبرٌ
سُحُبًا في الندى وبحرًا عُبابا
كيف وارى الثرَى لسانًا فصيحًا
نسمع الشعرَ منه والآدابا؟
كيف يُخفي الترابُ علمًا وفضلاً
وسدادًا وحكمةً وصوابا؟
كيف تغتاله المنون ويبقى
فيه جُلُّ الرثاء والحزنُ طابا؟
نحن نبكيه ما حَيِينا جميعًا
فيه نبكي تلك الخلالَ الْعِذابا