حاط الرياسة منك الجاهُ والعظمُ
وهذه العزّة القعساء والشّممُ
أحللتها في منيعٍ من حياطتكم
لا تُستباح لها في حلّةٍ حرم
فأصبحت منك يا مولاي في كنفٍ
فيهِ وقايتها من شرِّ ما يصم
في ساح هذا الحِمى يا سعدُ كان لها
من الخطوب بفضل اللّه معتصم
قناتها لا تلين اليوم إذ غمزوا
وليس يحلو لها طعمٌ إذا عجموا
فهنّأتها على أن كنت صاحبَها
مصرٌ وسودانُها والنِّيلُ والهرَم
يا سعدُ أقبل هذا الدَّهر معتذرًا
يحثّهُ حاديانِ الذُّعر والنّدم
أولاك ربُّك في عهد الصِّبا نعمًا
وفي المشيب تجلّت هذه النّعم
مواهبٌ لا مجال الكسب يعرفها
ولم تكن من طريق السّعي تُغتَنم
كم رامها غافلٌ عن سدر قسمتها
فعاد ملء يديه الكدّ والسّدم
لم تجتمع لك في ماضيك عن عبثٍ
لكن لتحيا بها الأقوام والأمم
روحٌ من الحقِّ فيّاضٌ ومظهرهُ
فيما انفردت به الأخلاقُ والشِّيم
نورٌ تجلَّى وكان النّاسُ في ظُلَمٍ
فأوضح النّهج وانجابت به الظُّلَم
إنّا نرى معجزاتٍ منكَ ماثلةً
فيما تجيء به الآيات والحكم
ما أنسَ لا أنسَ أمرًا قد صدعت بهِ
وكنت أشجع من تسعى به قدم
أقبلت تقتحم الأهوال هائجةً
وقمت تدعو ونارُ الغيظ تضطرم
تقول للقوم إذ طار الغرور بهم
ثوبوا إلى الرّشد أين العهد والذّمم؟
فأكبروا أن يروا خصمًا يقارعهم
من بعد أن غنموا بالحرب ما غنموا
واللّهِ ما نقموا أمرًا أتيت بهِ
لكنّ حبّكَ مصْرًا كل ما نقموا
فأغضبوا أمّةً ما هاج هائجها
إلا تفاقم خطبٌ أو هُريقَ دم
ما أقبحَ الظلمَ لولا أن صارمَهُ
ما زال يعمل في أعناق من ظلموا
أستغفر اللّه هل في الظّلم معدلةٌ
حتّى تلقّيتهُ جذلانَ تبتسم
يا نابهَ الشَّرق أيقظْ من عزائمهِ
فنابهُ الغرب أضراهُ بنا النَّهم
أنت الزعيم إذا قلت اعملوا عملوا
كما أمرت وإن قلت اعزموا عزموا
رياستان ولم يظفر بجمعهما
سواك فاهنأ فأنت المفرد العلم
واحفظ لأولاهما عهدًا تدلّ به
فهي التي قصّرت عن نيلها الهمم
وإن رأيت نزاعًا قام بينهما
لا قدّر اللّه فانظر كيف ينحسم
فإنما عزّنا في جمع شملهما
وأنت عزّهما والحاذق الفهم