وَحِيدٌ أنَا حِينَ أصحُو
أُوَدِّعُ ظِلَّ الفِرَاشِ وَحِيدا
ألُوكُ فُطُورِي،
وأشرُبُ شَايَ الصَّبَاحِ وَحِيدا
وأندَسُّ بَينَ الزِّحَامِ
وَحِيدا!
وأبدَأُ أمسَ الذي عادَ مُرتَدِيًا لي
صَبَاحًا جَدِيدا
أسِيرُ إلى حَيثُ يَمتَدُّ دَربِي
ولَستُ أُبَالِي
بِمَا قد يُخَبِّئُ عَنِّي الضَّبَابُ،
وما لا يُخَبِّي
ولَستَ أُبَالِي
بِمَا تَفعَلُ الرّيحُ في نَبقَةٍ
جَفَّفَتهَا العَوَاصِفُ
كَانَ اسمُهَا مُنذُ عَامَينِ:
قَلبِي
تَبَعثَرَ مِنِّي كِيَانِي على جُزُرِ الوَقتِ،
ذابَتْ جَمِيعُ المَلامِحِ،
حَتَّى الرَّوَائِحُ
فَارَقَتِ اللَّحظَاتِ الحَمِيمَةَ،
وَالأُغْنِياتُ اكتَسَتْ بِالصَّمَمْ
تَسَاقَطَتِ الكَلِمَاتُ، كَغَرقًى،
فلَمْ أنتَشِلْ
غَيرَ لَفظِ نَعَمْ
أسِيرُ، مَعِي صُحبَتِي،
نَتَسَكَّعُ بَينَ الشَّوَارِعِ،
نَدخلُ كُلَّ المقاهي،
نَقُصُّ نِكَاتًا تُصِيبُ بِقَيءٍ،
ونَجتَرُّ ضحكًا عَنِيدَا
ونَسقُطُ بَينَ الملايِينِ، لَكِنَّنِي
لَا أُزَالُ وَحِيدَا
وقَبلَ انحشارِ الرَّمَادِ بِآخِرِ أورِدَتِي
أرجِعُ البَيتَ،
أُوصِدُ كُلَّ نَوَافِذِهِ،
أخلعُ اسمِي، ووَجهِي،
وأُلقِيهُمَا في مَدَارِ القَدَرْ
وأمكُثُ حَتَّى انتِصَافِ الظَّلامِ
حَنِينِ الوُجُودِ إِلَى أَوَّلِ الخَلقِ
قَبلَ هُبُوطِ البَشَرْ
وفي اللَّيلِ
أرجِعُ مِنِّي، إليَّ
أُكَسِّرُ بِالصَّمتِ وَجهَ الْحَجَرْ
وأَبحَثُ عَن مُضغَةٍ لَا تزَالُ بِهَا
نَبْضَةٌ
خَافِتَهْ
وفي اللَّيلِ
أُصغِي لبَوحِ الشَّجَرْ
أهشُّ عَنِ الأنجُمِ السَّاهِرَاتِ
فُتَاتَ الظَّلَامِ،
أُلَملِمُ دِفءَ الزَّفيرِ،
أَشقُّ الحُجُبْ
وَتَحمِلُنِي ذِكرَيَاتٌ أبَينَ الفِرَاقَ
وَرَاءَ السُّحُبْ
ونَبقَى هُنَاكَ...
وفي اللَّيلِ
يَطرقُ بَابِي القَمَرْ
يَجِيءُ بعَينَيْ نَبِيٍّ،
وكَفٍّ مُخَضَّبَةٍ بِالمَطَرْ
لِيَنثُرَ فَوقَ فِرَاشِي بَريقًا،
يُدَثِّرُنِي بِنَسِيمٍ عَطِرْ
وأُصغِي إِلَيهِ،
فيَحكِي حواديت قَبلَ المَنَامْ
بِأنَّ الأميرَةَ بَينَ النُّجُومِ،
تُرصِّعُ مِنهَا وِشَاحَ الظَّلَامْ
تُقَبِّلُهَا في المَسَاءِ الثُّرَيَّا،
وفي الفَجرِ
يَأوِي إِلَيهَا الحَمَامْ
وأمَّا عَلَى الأرضِ
صُعلُوكُهَا شَارِدٌ لَا يَنَامْ
تَخَبَّطَ بَينَ الدُّرُوبِ، وَهَامْ
ولا زَالَ يَمضِي،
وَلَا زَالَ حُلمٌ يُضِيءُ البَصَرْ
بأنَّ الأَميرَةَ يَومًا
ستَنزلُ مِن قَصرِهَا لِلبَشَرْ
ويَرجِعُ فِينَا زَمَانٌ مَضَى
ولا زَالَ يَحكِي القَمَرُ
ولا زِلتُ أُصغِي، وقَلبِي يُرَفرِفُ
بَينَ الحَمَامْ
فتَغفُو جُفُونِي،
ووَجهِي عَلَيهِ شَظَايَا ابتِسَامْ
أنَا فِي الليالي
هِلالٌ حَزِينْ
ونِصفِي
تَوَارَى وَرَاءَ السِّنينْ
بَقَايَايَ تَبقَى مَعَ المَاكِثِينَ،
ورُوحِي
تَرُوحُ مَعَ الذَّاهِبِينْ
أَسَافِرُ فِيَّ، لأبحَثَ عَنِّي
بأرضِ الضَّبَابْ
رِفَاقِي
أَلَمْ تَلمَحُوا ذَاتَ يَومٍ شِهَابْ؟
يَمُرُّ سَرِيعًا،
ويَنثُرُ مِن ذَيلِهِ وَمضاتٍ،
وبَعضَ عُطُورِ العَذَارَى العِذَابْ
يُحِيلُ الوُجُودَ بَريقًا وسِحرًا..
ويَغدُو سَرَابْ
ويَترُكُ ذِكرَى البَريقِ لَدَينَا،
ويَترُكُ نَجمًا هَوَى في التُّرَابْ
ويَترُكُ حُلمًا بِيَومِ الإيَابْ
فَنَبقَى نُنَادِي،
ونُصغِي زَمَانَا..
وما مِن جَوَابْ