في تلكَ البَلْدَةِ الَّتي تَعَوَّدْنَا
أنْ لا نَصِلَ إليْها
إلّا كَضَوْءٍ ضَعِيْفٍ يَزْحَفُ
مِنْ تحتِ الأبوابِ
أو كَوجُوهٍ هَدَّها اليأسُ والغُرْبةُ
والخَساراتْ.
تَعَضُّ الكَلِمَةُ الكَلِمَةْ، تَنْهَشُها نَهْشًا
تَصِيرُ ذِئبةً بأنيابٍ مُلَوَّنةٍ
تُفْلِتُ علينا قِطْعانَها
تُهاجِمُنا أنَّى ذَهَبْنا
تُهاجِمُ ذكْرياتِنا وذَاكِرتَنَا
وتَفْلِقُ بمِخْلَبٍ واحِدٍ رؤوسَنا
مَعَ ما تَبَقّى لَنَا مِنْ ظِلالْ.
في تلكَ البَلْدَةِ الَّتي لا تَصْحو
مُنْذُ قُرونٍ
إلّا على النَّدَمِ وحْدَهْ.
ها أنا في ظَهيرةِ الوداعِ
في شَهْرِ آبْ ربّما
في باخِرَةٍ سَتحمِلُني إلى بلادٍ قَصِيَّةٍ
أفتَحُ عَيْنًا وأُغمِضُ الأُخرى
وأطْوي حَبْلَ السُّخْطِ
على مِعْصَمي.
ها أنا في هَواءِ اليُّوْدِ والمَداراتِ
بِنَظَّارةٍ خَضرَاءَ وكأسِ نَبيْذٍ
وزيْتُونَتَيْنِ
أتَمَعَّنُ في المَدَى الشَاسِعِ يَتكسَّرُ أمامي
كَبُرْجٍ مِنَ المَاءِ
وأتابعُ الذِّئبةَ وهيَ تَلْعَبُ بينَ خَطَّي
العَرْضِ والطُّولِ
وتَغِيْبُ
ثُمَّ، وَمثْلما تَنْجَذِبُ الفَراشَةُ إلى لَهْبَتِها
أراها تَعُودُ نَحْوي مُسْرِعَةً:
تَثِبُ إلى رأسي
وتَرْقُدُ في دِمَاغِي
كالأَفيُونْ.