وافتْ أُمَيمُ بأحزاني وتذكاري
وهْنًا على رغم أعدائي وسُمّاري
بانت بتمزيق جيب الليل تقذفُها
بِيدٌ لِبيدٍ وأصحارٌ لأصحار
حتى أتتني بطيفٍ لا أودّ بهِ
وِصَالَ كل عَروبٍ غير مِهجار
فقلت للطيف إذ وافت به سحرًا
أهلاً وسهلاً به من طارقٍ سار
كيف اهتديتَ لركْبٍ في مُعَرَّسهمْ
تحت الدجى خلف أسفارٍ وأكوار؟
جالت بهم ناجياتُ العيس راقصةً
جولَ الخُفَيددِ مذعورًا بأسحار
أم كيف بتَّ تباري في الفلا سحَرًا
بُزْلاً بغربانها تلبيد أخطار؟
أنّى بمشتبه الأعلام منك لنا
زيارةٌ دون آثارٍ وأخبار
أو ما عهدتك والأوصالُ ناعمةٌ
كسْلَى القيام بآصالٍ وإبكار؟
أَوْ كنتِ فيما سوى الأترابِ راغبةً
تُزهى حُلاَك بتشنيفٍ وتقْصار؟
ما إن تزال برَيَّا المسك طارقةً
وهْنًا على غير ميعادٍ وآثار
كأنما فتحتْ من طيب ما نفحتْ
بالركب أوعيةً من عطر عطَّار
يا حبذا ما أتاني الطيفُ منك به
من نفحةٍ كَنَدِيِّ المسك مِعطار
رخيمةُ الصوت لو تُوليك ساقطهُ
ما إنْ له من بهاءٍ لا وأنزار
يُنْسيك منظرُها ما إن ظفرتَ به
ما قد رأيتَ وكلٌّ ما له دار
بيضاءُ فاترة الأجفان فاتنةٌ
أبهى الخرائد من عُونٍ وأبكار
حُورٌ مدامعُها، بيضٌ ترائبُها
تُزري مباسمُها بزهر أنوار
سودٌ ذوائبها دُرْمٌ مرافقها
تُغْنيك نغمتها عن كل مِزمار
باتت بما تشتهيه النفسُ طائعةً
حسبي بذاك منَ اخْوانٍ وزوَّار
وبتُّ ريَّانَ مما كنت أظمؤه
حتى عَدَاني بها ريعانُ أسفاري
لما تولّت لضوء الصبح مُدْبرةً
والدهرُ ذو لذةٍ طورًا وإمرار
أغرَتْ بقلبي همومًا ما لها قِبَلٌ
ما بين منتهزٍ حَيْني وأمَّار
فذلك الهمُّ لا يلوي على كَلِفٍ
نائي الأحبّة والسلوان والدار
فما بها لك مرتابٌ تُعاب به
غير المقام على ليٍّ وأعذار
ولم تُزوِّدْكَ عن عفوٍ شُغفتَ به
غير الظنون بمرأى الخُلَّبِ الساري
لها مواعيدُ عرقوبٍ إذا وعدت
كما الجَزا أخذتْه عن سِنِمَّارِ
فالصبرُ أجمل مركوبٍ لزائرها
لو كان عن مثلها صبْرٌ لصبّار
بقتل أهل الهوى والحب قاضيةٌ
لم تَأْلُ فيه بإنهاءٍ وإعذار
دع عنك ذكرى خيالٍ لا غَناء له
ودع مُضِلاّتِ أحلامٍ وتذكار
ودع وصالَ ذوات الدلِّ قاطبةً
فإنهنَّ حبال العار والنار
أما رأيتَ نجومَ الشيب راكدةً؟
هلاَّ اهتديتَ بمرآها عنِ اصْرار
آنَ الرجوع لمن بالشيب معتجِرٌ
أليس فيه هدًى لكل مِحيار؟
فاخلعْ عذارك في مدح النبي ودع
عنك المجونَ بتُرْهاتٍ وأشعار
إن القريض لغير المصطفى سَفَهٌ
إذ فيه ضيعةُ أوقاتٍ وأفكار
واذكرْ محاسنَ من ليست محاسنه
يشوبها شوبُ أقذارٍ وأكدار
إنسانُ عين وجود الكون دُرّتُه
ومنبعُ العلم من بحور أسرار
شمسُ الحقيقة لا يُزري بها قزعٌ
ولا لها من كسوفٍ بعد إظهار
سرى إلى المسجد الأقصى به وسرى
لسدرة المنتهى حتى رأى الباري
ألقى عصاه بها ثم انثنى بمنا
هُ ما هناك عصًا تُلقى لسيَّار
نالت به الرُّسْلُ ما نالته من شرفٍ
ومنه نِيل الهدى وكل مِقدار
عن الغروب أتتْه الشمس طائعةً
لما دعاها بإقبالٍ وإدبار
كالدهر همَّتُه كالليث جرأته
والشمسُ طلعته بنورها زار
والحقُّ يصدعه والجيش يُشبعه
بالصاع يُوسعه من دون جزَّار