تخطَّ إلى المحتوى

فراق بلا وعد ونأي بلا رجع

غير معروف

٣٦ بيت

المتفرقات

فراقٌ بلا وعدٍ ونأيٌ بلا رجْعِ

لعمرك ماذا يضمر الدهر من وجْعِ

حبيبين كنا نملأ الكون بالهوى

ونملأ كأس الصفو من مغربِ الدمع

وما قصّرتْ رؤياي عن ذي دلالةٍ

ولكنني أغمضت عن ناعبٍ سمعي

تجلّدت للأحداثِ لما تدافعت

بمنكبها نحوي فلم تستطع دفعي

وثارت خطوبٌ واحتوتني مواقفٌ

فما بدّلت حلمي ولا شاغلت روعي

لقيت المنايا صارمًا غيرَ جازعٍ

ولا مذعنٍ للقهر في النهي والصّدع

جزعتُ وإشفاق المحبين خلةٌ

من البين ما بي غيرها اليوم في طبعي

تخلّصتُ من قيد الحياة وسجنها

ولا زلت أطويها على السجن والقمع

وكم كنت نزّاعًا إلى كسر قيدها

فواتاك ما تصبو وعوفيت بالنزع

وأضناك في الدنيا صراعُ شبيبةٍ

مع القيد والأيّام والغاية المنع

وما كان عمرُ المرءِ عدّاً وحسبةً

ولكن بما أدّى من الفعل والصّنع

رحلتَ عن الدنيا وخلّفتني بها

أعاني كمأخوذٍ يُساق إلى النّطع

رحلت عن الدنيا وما كنت ثاويًا

ولكنّ عمر الشّهب ومضٌ من اللمع

حللتَ ببطن الأرض نورًا وروضةً

جزاءً بما أسلفتَ من سابق الوضع

تخِذتَ إلى الأخرى سراجًا من الدّنا

فلم تَعْشُ عن خطوٍ ولم تخشَ من روع

عرفت لكلٍّ قدرها ما ظلمتها

وحولفْتَ بالتوفيق في الفصل والجمع

تزوّدت بالتّقوى وما الزاد غيرها

ولا في سواها من سبيلٍ إلى نفع

تخفَّفْتَ من حملٍ يؤود مشالهُ

وأثقلت في الميزان بالوتر والشفع

وأخلصت للرحمن قلبًا وفطرةً

وأسلمت للرحمن في المنح والمنع

رضيتَ بما يقضي وأحببت حكمه

فجُنِّبْتَ ما تُلقي الشياطين في السمع

عزفتَ عن الدنيا ولكن عمَرْتَها

بما يُصلح الأخرى فأربيت في الزرع

وكنتَ تُرجَّى للملمّات إن عَدَتْ

وإن ثارتِ الهيجاء رُجِّيت للنقع

وإن أعوز الرأي السديد منحتَهُ

جوادًا كما تُلقي البواسقُ بالطلع

وإن أقفرتْ عند البيان منابرٌ

فعندك سُقياها من المُزن والنبع

سلمتَ من التعقيد قلبًا ومظهرًا

وعوفيت من مَيلٍ لدى القول والطبع

حفِظتَ كتابَ الله تتلوه غاديًا

وتشدو به عند الرواح وفي الركع

تسنّمتَه ترقى به في مدارجٍ

من الخلد عزّت في الطِّلاب وفي القرع

تجرّدتَ للحق المبين مناضلاً

وواتتك آياتُ البيانِ على طوع

ولم تتّخذْ يومًا على العسف خُطّةً

تهادن بغيًا، أو لتنأى عن الردع

رحلت عن الدنيا وخلّفتني بها

أغالب أنواء الحياة بلا درع

وقد كنتَ خِلِّي في الحياة وصاحبي

ومأمنَ سرّي والمكفكِفَ للدمع

رحلت وما زوّدتني قبل فرقةٍ

بضمّة صدرٍ تطفئ النار في ضلعي

ولا قبلة الترحال يروي مذاقها

ظما النفس حتى يأذن الله في جمع

عزاءً لمن قاسى من الفقد بعدهُ

من الأسرة الولهى من الثكل واللّوع

عزاءً لمن صافاه بالحب والهوى

لكل البرايا في الحواضر والنّجع

ويا قبرُ بشرى بالحبيب وضُمَّهُ

فإنك محسود الرّفادة والبيع