تراءى إليَّ في مناميَ ليلةً
خيالٌ بوقتٍ سابقٍ مطلعَ الفجْرِ
عليه وشاحٌ قد تضاءل دونه
وشاح ملاكٌ بالمهابة والطّهر
علتْ وجهَه سِيما الوقار ورأسُه
محلّى بإكليلٍ ترصّع بالدر
ولما عليَّ قد أطال سكوتَه
وقوفًا على هام الثّرى وِقفةَ الدهر
عراني اضطرابٌ بين سُهدٍ وغفلةٍ
وحلّتْ بقلبي منه بادرةُ الذّعر
ورغم اضطرابي واشتداد تروّعي
شخصْتُ إليه بالتجلّد والصّبر
وحدّقتُ فيه مشبِعًا منه ناظري
لعلِّي أرى ماذا يكوننّ من أمري
فألفيتُه عبدَالإله بنفسه
مثال التّقى والجودِ والفضلِ والبرّ
ولم يستطلْ أن فارقَ الروعُ مهجتي
وبتّ حليفًا للبشاشة والبِشْر
فقبّلتُ خدّيه وقبَّل مبسمي
وهاج بنا القلبان من داخل الصّدر
وبعد قليلٍ من سكونٍ وراحةٍ
رغبتُ إليه بالرجا طالبًا عذري
لألقي سؤالاتٍ وددتُ جوابه
عليها بحصف الرأي أو ثاقب الفكر
لما فيه من وعظٍ وآياتِ حكمةٍ
إلى عالم الأحياء من عالم القبر
فقلت إليه سائلاً ما الذي أرى
بطيفك يا عالي المكارم والقدر؟
إلى هذه الأرض التي ما تعوّدت
سوى فرقة الأحباب والبعد والهجر
وهل لك أن تُعطي جوابًا مفصّلاً
لتركك دنيًا جاهرت منك بالفخر؟
أجاب وملء العين دمعٌ مرقرقٌ
برقة لفظ صِيَغ من مبسمٍ درّي
هو الله سلطانُ البريّة أمره
مطاعٌ وما يقضي به حكمه يجري
له في شؤون الخلق قصْدُ مآله
على العقل لغز حلّه نِيطَ بالحشر
يُبَقّي بذي الدنيا من الناس من يشا
ويأخذ للأخرى أناسًا على زجر
أُخِذْنا تِباعًا قبل أن ندرك المنى
من المكث في الدنيا لأهدافنا الكثر