في رثاء أمير الشعراء أحمد شوقي
باكٍ فهلْ بفريدةٍ عصماءِ
الشاعر الباكي على العظماءِ؟
باكٍ وما في النادبين مُجيزة
عن دمعةٍ ممّا بكى برثاء
ورثاؤهُ دَرَجُ الخلودِ فمن بكى
«شوقي» عليه مضى بغيرِ فناء
الحكمةُ العذراء في كلماتهِ
تُجلى لقارئ آيةٍ عصماء
والشعرُ أرصنُ ما يكونُ بنظمه
خمرٌ تلذُّ مسامعَ القرّاء
كلِمٌ كما انتظم القريضُ لشاعرٍ
وحيًا تنزّل من سماء ذُكاء
فإذا تردّد في المسامع ذاب في
فيضِ النبوغِ ذكاوةُ الشعراء
فإذا القريضُ المعجزات كأنّما
كلِمُ النبيِّ سمت على البلغاء
يجري البيانُ العذبُ في منظومه
جريَ الجداولِ في رياض الماء
ألفاظُه زهر الخمائلِ ناضرًا
يسمو بروحٍ طيِّبٍ ورواء
وتكاد تلمسُ في طلاوةِ لفظهِ
روحَ الجلالِ وبهجةَ اللألاء
وتكاد تسمعُ في مقاطع نبرهِ
صوتَ الطبيعةِ غير ما صمّاء
جمعَ الوجودَ تخيّلاً وتبصُّرًا
ومضى يصوِّر حسنَه للرائي
ورأى الجمالَ فقصَّ في أسفاره
آيَ الجمالِ مباهجًا ومرائي
والحسنُ في الدنيا شعورٌ بيِّنٌ
والفضلُ بعدُ لجيِّدِ الإطراء
«شوقي» وأنت الآن منّا في حمًى
للحقِّ غير موطّأٍ لرعاء
وافاك ما أعيا الورى أسبابُه
كلُّ امرئٍ رهنٌ بيوم وفاء
ماذا لقيتَ الموت سهلاً هيّنًا
أم فيه للإنسان لونُ شقاء؟
ولأنت أبصرُ بالحياةِ وبؤسِها
والعيش من ضنكٍ بها ورخاء
فاذكرْ أفي الأخرى كذاك تباؤسٌ
وبها كلا السرّاء والضرّاء؟
ولكم وصفتَ العيشَ أصدقَ واصفٍ!
فصفِ القيامةَ لو أجبتَ ندائي
الآن تصمتُ ناطقًا بمواعظٍ
جَلّت لمدركها منَ الفُهَماء
لو لم يكنْ في العيش إلا أنّه
حربُ الحياةِ فحسب من بأساء
يكفيك أنّ العيشَ يقطعُه الردى
يومًا وأنّ الموت حتمُ قضاء
خلفَ البشير على ضياء جبينهِ
ناعٍ يخبّر عابسَ السيماء
في الموت ما أعيا وفي محتومه
للناس أيُّ أسًى وأيُّ عزاء
آثرتَ سبقَك «حافظًا» ورثاءهُ
إيّاك بين النخبة الشعراء
ولتلك منك نبوءةٌ والمرهف الْ
إحساسِ يشعرُ صادق الإيحاء
أدركتَ أنّك منتهٍ فرغبت أن
تُرثى بأشعرِ نادبٍ بكّاء
يا شاعرَ العَرْباءِ من للوائها
إنْ أنت لم تحملْه خير لواء
أنت اليد الطولى على الفصحى من الزْ
زَمَنِ المسيء فصاحةَ العَرْباء
نزلتْ على حكمِ الزمان بأعصرٍ
ولّت بجهلِ ولاتها سوداء
كانت عهودَ تأخّرٍ سبقتْ بها ال
عجمى وعيّ بها بنو الفصحاء
حتّى أُتيح لها بمصرَ محمّدٌ
فسما بها ذا همَّةٍ قعساء
ومضى بنوهُ بعدهُ في نهجه
دأبًا على الإصلاح غيرَ وناء
العلمُ همّهمُ الأجلُّ وغايهم
منهُ تَسنّمُ غارب العلياء
والعلمُ ما يبني الممالكَ شمَّخًا
تسمو بقوَّتهِ على الجوزاء
فأتيتَ في بصر البلادِ ذكاءَها
والشمسُ مطمعُ أعين البصراء
تلقى بها الشعرَ الرصين كأنّما
دررٌ نُظمنَ بلبَّةِ الغيداء
وتُجدّد الأدبَ الثمينَ موفّقًا
فيما تعالجُ سيِّدَ الأدباء
وتصوغُ معنى الغربِ في شرقيَّةٍ
عربيَّةِ الأجدادِ والآباء
لو كان يُسجَدُ للقريضِ بعهدنا
حَلِفٌ لَشعرُك سجدةُ الصلحاء
ونبغتَ في صوغ القصائد يافعًا
وازددت كهلاً حكمةَ الحكماء
فعرضتَ آثار الحضارةِ صُوِّرت
فيما تقولُ بصورةٍ جلواء
وعرضْتَ تاريخ البلاد محقّقًا
في زخرفِ الأقوال غير هراء
هذّبتَ أغنيَّاتِ مصرَ ولم تكنْ
من قبلُ غيرَ مهجّنات غناء
فسموتَ بالفنّ الجميل ولم يجدْ
إلا بشعرك مطربَ الأمراء
والشعبُ يعرفُ أنفسًا وعواطفًا
في اللحن وحيُ منازع الحوباء
فالمنصفون من الرجالِ ذوو حجًا
خُصُّوا بأبلغ آيةِ العلماء
شوقي ولاسْمك في القلوب مكانةٌ
عزّت على النقّاد من بغضاء
رُزئتْ بفقدك مصرُ رزءًا فادحًا
لا نستكين بهِ إلى إسلاء
بالأمس بكّتْ «حافظًا» مفجوعةً
بمدامع المتحرّق الحرّاء
فقدتْه أحرصَ ما تكون بمثلهِ
أن تستعين به على الأرزاء
واليومَ تفقدُ فيك أنبهَ شاعرٍ
في الشرق أجدرَ راحلٍ ببكاء
قد كنتما تتسابقان خواطرًا
وإجادةً لفرائدِ الإنشاء
فقضيتما متتاليين كأنّما
تتباريان بموقف الإلقاء
وذهبتُما في الخالدين ومن يعشْ
ما عشتُما يخلدْ من الأحياء
والخلدُ أعظم ما يحقِّقُه امرؤٌ
بالخالدات مآثر الأحجاء
فارقدْ بمثواك الأمينِ مخلّدًا
حيّاً بغير أسًى ولا شكواء