يا صاحبي،
هل ترى إن رحلنا تغيب الجروح عنا
ولا تعود ذكرانا للإشراقِ أخرى
هل ترى إن غابَ وهج المدينة...
وحمل اللقاء على نعشِ الكلام
ينَهشُ ما بقي من صمتنا، ويودع فينا حزن الرمال...
ووحشة البيوت تهدُّ أحشاءها تحت شجيرة التوت
وتضم أوراقها تحت شجيرة التوت
وتزور أوصالها تحت شجيرة التوت.
هل يا ترى نعودُ كما كنا!
فسيلتي نورٍ موشى بكلمٍ مُصاغ بحلوقِ الغيم
نذوبُ في خدرِ الجمال...
وتسيح في حبائل الوصل أغنيةُّ
تُفرط بين جمود العابرين فيئًا.. عطشى للحبِ
لا يرتوون
يا صاحبي،
هل ترانا نغيب في رحيلنا...كقطرةٍ في بحر التيه؟
أم يسيح البحرُ في نفوسنا فلا نُرى!
وبعجلةٍ، وكأن الأيام ما جمعت خطانا
نهجرُ أشياءنا، وبقسوةٍ نهد الأماكن بمطارق الدموع
نبكي علينا، ولا تبكي قلوبنا، نسارع في استدعاء الزلازل، والفيضانات، والبراكين، لنقول: قدر فرقنا، ونتشبثُ بقشةٍ لا حمل لها لنُغرق ما بقي وما بقي إلا سراب كسير
من أوراقٍ و صور، ووحشة في صدري، وشمعة تضيءُ فراغاً، وأهزوجة من عين الفوانيس في يدي الأطفال لا تروينا من صباباتها رمقاً.
يا صاحبي،
ما الذي علقنا على حلوقِ الحزناء علامةً
وفينا من الجراحِ دواءٌ لا يداوينا
ما الذي جمّع الدروبَ في نبضنا لنقضمها في حفلاتِ الشاي المُقنعة
ويُرمى سعينا شائخاً
مع بعض الأحلام البريئة
وأصواتنا حين كانت للخفوتِ عنواناً
وأرواحنا حين كانت تسابقُ العصافيرَ على الأغصان
ما عادت تنادينا.
يا صاحبي،
ما بالُ عينيكَ لم تعد مداد قلبي
وباتَ الرملُ يسكن محبرتي
ويغزو أوراقي الهشة...
ليمحوكَ منها بعوامل التعرية
لستُ أحصي كم ريحاً هبت، وغيرت تضاريس صدري، وملأت وجهك بالندوب وملأت قلبي بالشقوق، ودمعي ما عاد ماءً، مُذ صارَ ناراً، مُذ صار موقداً للشمس تخبئ فيهِ خيوطها.
لستُ أحصي مسافةً عادت لتمتد بيننا حتى لا نعي أينا في الآخر ولج ..
أينا من جرح الآخرِ نبتَ شعراً؟
وأينا من وجدِ الآخر صارَ صرحاً
أينا من قلبِ الحجارة خرج
وأينا من صبِ المرارة دفق
أينا يدلقُ في ممر الصبرِ حلاوةً
ويبلغ في غايةِ الحلم جذوة؟!
ما عاد الصدى يردد رجع صوتينا
وأصبح المدى الطويل أضيقَ من جحور النمل في عيني فيل.
يا صاحبي،
ما بالُ الجراحِ التي جمعتنا
تُفرقنا.
تحولَ صمتنا الطويل إلى مجزاتٍ نولد منها مرات متتالية
ومن أثر الوجع لم نعد نلتقي.
يا صاحبي،
لم أعد أعرفك
مذ جعلتَ الليل عنوانك
وودعت في الصبح مبسمك
مُذ لم أجد حزنك على مدخل القرية
مُذ لم أعد أسمعه في صوتِ الزحام
ولا في فراغاتِ اللغة حين تناديني
مُذ لم يعد يعنينا أينا الذي يرحلُ أولاً
وأينا الذي يموت أولاً
أينا الذي يبكي
وأينا الذي يشكي
أينا الذي يلوك حزنه صمتاً
وأينا الذي يحكي من نصاله جمراً!
يا صاحبي،
ماذا لو جُمعنا
وقد تفرق قلبينا، أنكون قد اجتمعنا؟
ما الذي يجمعنا وقد فرقتنا الفصول
وما عاد الفضول يجمعنا..
وما عاد الحُب يعرفنا
وصرنا غريبين لا يعرف أحدنا الآخر.
يا صاحبي،
قد قُلنا
أنّا روح واحدة
وما كنا
وأنّا حلمٌ وحيد
وقد أجل حلمنا إلى أجلٍ غير معلوم
وأنّا التقينا قبل الولادةِ
وما التقينا يوماً.
وأنّا لكل آخرٍ وطن
وأصبحتُ وطنَ العالم برمته
لكني لا أحس بك
مُذ لم يعد قلبك نابضاً في قلبي
مُذ صِرتَ رقماً في حشدٍ كبير لا يُحصى
أشعر بآلامهم كجمعٍ غفير
وأعيشُ مآسيهم حياةً، لكني لا أعيشك، كما تحولت قدرتي على الإحساس
إلى المراقبة الصامتة، لم يعد يؤثر بي شيء..
ساكن، أنظر إليكَ
كيف تُقبل عليّ، وقد أشحتَ قبلاً
وكيفَ تبحثُ عن قلبي في الوجوهِ ولا تلقى شيئاً
كيفَ تتصل ولا تصل
وكيف يعلق صوتك في المسافات الطويلة ولا يصلني
كيف نبتنا من الجراحِ مرّة جديدة
وقد غُسلت ذاكرتي
وصار قلبي المتسع في بقعةٍ أخرى
لا يصلها إلا النور
ولا يسكن إليها إلا النور؟!
وبالرغم من كل الفراغ
يا صاحبي،
أُحبك.
قم للعاهلِ في قلبك
وألقِ التحيّة، يردُ عليكَ السلام بخيرٍ منهُ
وتحسس في صوتهِ حياة راحلة تعود إليك
وما يعودُ إليك
قم للعاهل في قلبك
واقرأ، فتش عنكَ في كلماتهِ
في صمتهِ، وفي عينيه البعيدتين حين تكونان نبعاً
فإن وجدتكَ، ما وجدتك
وإن رأيتهُ حاضراً، ما حضر
هذا الأثرُ يدل إليه..
وهذا الأثرُ يعمي السائرين إليه
إن لم يحسنوا لقلوبهم صنعا
قم للعاهل في قلبك
وانظر إلى فسيلة الضوءِ في صدرهِ تنم
وتشفى جراحك للأبد.
صمت، وفي صمتي كلام طويل
أسعى في مروج صدرك غيثاً
وأسقي بعضكَ مني
تعود مرّة أخرى من بعد الفراق
وقد فصلت بيننا الأماكن
وراحت الظروف تحزمُ ما بقي منها
وبرئت جراحك
يا صاحبي
ما أجملك
وما أغلى مكاناً قد كان لك!
يا عاهل آلام العالمين،
من المساحةِ تُقضى الجراح
فتنقلب من بعد ذلكَ لبناً
ماءً تروى بهِ قلوب أصحابها.
يا عاهل آلام العالمين،
من ضيقِ المساحة، رأيتَ العالم الفسيح كيف يسكنك
وكيف يكتبك.