تخطَّ إلى المحتوى

جاث ببابك يا قديح

غير معروف

٢١٩ بيت

المتفرقات

جاثٍ بِبابِكِ يا (قديحُ)

أُقَبِّلُ العتباتِ محراباً

وأعرجُ في مدارِ الغيبِ نحو السرمدِ الأَبَدِيِّ

حيث تَبَتَّلَ الشُهداءُ لِلُّغْزِ العتيقْ

كُلِّي تَجَمَّعَ في فَمي

فخرجتُ من شَفَتَيَّ

تقذفُني تناهيدي مع الأَلَمِ الطليقْ

وأتيتُ مُنتحلاً بنفسجةَ الكآبةِ

أستدرُّ العطرَ جَهْشَتَهُ

وأستجدي الدموعَ من الرحيقْ

فلَرُبَّما

ذَوَّبْتُ في عَسَلِ العَزَاءِ مرارةَ الحزنِ العميقْ

أَمليكةَ الشهداءِ..

ما زالَ الشقيقُ هُوَ الشقيقْ

ما زال فيما بيننا

جسرٌ من الأحزانِ

منتصبٌ على العهدِ الوثيقْ

هذا أنا..

عينانِ تتَّحدانِ بالمجهولِ في أقصى السماءِ

وروحيَ (الهَجَرِيَّةُ) الثكلى تخبُّ بِيَ الطريقْ

ما أرشدَ (الأحساءَ) للأحزانِ!

يا (سَبَأَ) المآسي..

إنَّ للأحساءِ في الأحزانِ (هُدْهُدَها) العريقْ

آتٍ ومِلءُ قصيدتي خُبْزٌ من الرحماتِ

أُطعِمُهُ القبورَ أوِ المنازلَ

قد تشابهتِ المنازلُ والقبورُ

كِلاهما فزعٌ وضِيقْ

والمفرداتُ حمائمٌ سُودٌ

تحومُ على رفاتِ الأبجديَّةِ

داخلَ الصمتِ السَّحِيقْ

كمْ غيمةٍ

عَصَرَتْ شراشفَها على عينيَّ

وانْسَحَبَتْ على الخدَّينِ

لاهثةً كأنفاسِ الغريقْ

وعلى مدى خمسينَ رابيةً

لمحتُ مآتمَ الياقوتِ طافحةً بِأنَّاتِ العقيقْ

مَطَرٌ من الغربانِ

ينعقُ هاطلاً

في قريةٍ غَرِقَتْ بطوفانِ النعيقْ

كلُّ النُخَيْلاتِ التي شَهِدَتْ مراسيمَ الفجيعةِ

أَسْدَلَتْ أعذاقَها دوني

لأقطفَ من مجانيها تفاصيلَ (الحريقْ)

ومضيتُ أقتطفُ المشاهدَ

من عذوقِ النخلِ داميَةَ الرُّطَبْ

هذا الحصادُ من الأسى

يكفي لإشباعِ القصائدِ عبر آلافِ الحِقَبْ

والنخلُ.. هذا المؤمنُ الأزليُّ..

لم تزحفْ على شَفَتَيْهِ آفاتُ الكَذِبْ

قَدَرٌ غريبٌ أَفزَعَ الأبوابَ

واقتحمَ المنازلَ مثل عفريت الغَضَبْ

لا تسألوا القَدَرَ الغريبَ عن السَّبَبْ

لا تجرحوهُ بمُديةِ العُتْبَى وسكِّينِ العَتَبْ

هُوَ مِثْلُنا

في الرحلةِ العمياءِ يعثر في الحُجُبْ

قد أَشْمَسَتْ مِنَّا الجباهُ بفكرةِ الإيمانِ

وانقطعَ الطريقُ على السُّحُبْ

هاكُمْ تفاصيلَ الفجيعةِ

منذ شدَّ الليلُ قامتَهُ الفتيَّةَ وانْتَصَبْ

ومليكةُ الشهداءِ

ترقصُ بين أذرعةِ القَصَبْ

مُختالةً في زحمةِ الألوانِ

تخطر في قَوَامٍ من لآلئِها

وتشمخُ في جبينٍ بالفُتُوَّةِ مُنْتَصِبْ

والأُمَّهَاتُ

كما الدوالي ينحنينَ على ثُرَيَّاتِ العِنَبْ

والحنجراتُ

تشدُّ طوقاً من زغاردَ حول خاصرةِ الطَّرَبْ

لَبِسَ المكانُ أنوثةَ الحِنَّاءِ

وانطلقتْ عصافيرُ الأساورِ

تغسل الآفاقَ في نَهَرِ الصَّخَبْ

الجلوةُ الأولى سَتُرفَعُ..

ها هُوَ الصوتُ الجماعيُّ استطالَ

مُوَحِّداً كلَّ الحناجرِ في الصلاةِ على النبيِّ وآلِهِ:

(بَلَغَ العُلى بكمالِهِ

كشفَ الدجى بجمالِهِ

حَسُنَتْ جميعُ خصالِهِ

صلُّوا عليهِ وآلِهِ)

الجلوةُ الأُولى قدِ اكتملَتْ

وحُمَّى النشوةِ الخضراءِ تشربُها الرؤوسْ

ولآلئُ الأحلامِ

تُولَدُ من محاراتِ النفوسْ

هذي صبايا الحيِّ..

كلُّ صبيَّةٍ وَقَفَتْ

تعدُّ لآلئَ الأحلامِ في دَمِها.. ويرتبكُ العَدَدْ

وَقَفَتْ..

وكلُّ جديلةٍ من شَعْرِها تمتدُّ في عُمُرِ الأَبَدْ

وتفيضُ بالرغباتِ خابيةُ الجَسَدْ:

سأتيهُ في فستانِ (فاطمةٍ) غدًا أوْ بَعْدَ غَدْ

سأُطَرِّزُ الفستانَ بالنجماتِ حرزاً من شياطين الحَسَدْ

سأكونُ أجملَ

كيْ يئنَّ الماءُ في الأصلابِ من شوقٍ إليَّ ومن كَبَدْ

سأحسُّ رجرجةَ الحقيقةِ بين أضلاعي إذا انعقَدَ الوَلَدْ

ولَسَوْفَ...

وانشقَّتْ هنا الأحلامُ عن أُفُقٍ..

فأشرقتِ العروسْ

حوريَّةً سَمِعَتْ نداءَ الله يدعوها

فأشعلَها الحنينُ إلى الألوهةِ

مثل شمسٍ باتِّساع الليل

فَرَّتْ من مداراتِ الشموسْ

عَبَرَتْ حدودَ الغيبِ

من بَشَريِّها الفاني إلى أَبَدِيِّها الباقي

ورَاحَتْ في فرادسِهِ تجوسْ

هذا زفافٌ لم تَسَعْهُ الأرضُ من فرط القداسةِ

فاستضافَتْهُ السماءْ

لم يُدْعَ للعرسِ المقدَّسِ

غير مِسبحةٍ من الأطفالِ

قد نُظِمَتْ بِسِلْكٍ من نِسَاءْ

وقلادةٍ من أنبياءْ

لم نُدْعَ نحنُ الأشقياءْ

الموتُ دعوتُنا الخفيَّةُ للطهارةِ والنَقَاءْ

ما شأنُنا بالعرسِ؟!

كان العرسُ معراجاً

وكُنَّا نحن (صوفِيِّينَ)

دون صبابةٍ تكفي لإدراك (الفَنَاءْ)

العرسُ ضيفُ الله أَنْزَلَهُ بِجَنَّاتِ البَقَاءْ

عودوا بنا للنارِ حيث تَوَهَّجَتْ تُحَفُ الإلهْ

فهُنَا شموعُ أصابعٍ

كانت تُضيءُ الحَفْلَ.. تَمنَحُهُ سَنَاهْ!

وهناكَ إكليلٌ من الصلواتِ ذوَّبَهُ تُقَاهْ

وضفيرةٌ في الرُكْنِ تشهقُ بالحنينِ إلى الحياهْ

هذا (المخيَّمُ) معبدٌ مُتَجَمِّرٌ بالحُبِّ

فاعتكفوا بهِ يا أيُّها الشعراءُ

واقتبِسوا معاني الدِفءِ من نجوى لظَاهْ

لا تندبوهُ..

ولا تُحيلوا المعبدَ القُدْسِيَّ تابوتاً يُزَخْرِفُهُ الأَدَبْ

عودوا بِنا للنَّارِ..

نارِ الحربِ ما بين الأمومةِ واللَّهَبْ

لِنَشُمَّ رائحةَ الطفولةِ في شرايين الحَطَبْ

طفلٌ تطاردُهُ الجهاتُ وتستغيثُ به اللُّعَبْ

وصبيَّةٌ هَرَبَ الصِّبا منها.. وأخطأَها الهَرَبْ!

والأُمُّ تختمُ مهرجانَ رضاعِها القدسيَّ..

هذي رضعةُ الحبِّ الأخيرةُ..

ينهض الثديانِ في شَغَفٍ ويحترقانِ من فرط الحَدَبْ

الأُمُّ تمتشقُ الدعاءَ على ثعابينِ الدخانِ

وترتدي درعاً من الصرخاتِ

فيما الحُبُّ في الميدانِ حَاصَرَهُ الشَّغَبْ

الأمُّ تسقطُ عبر سَهْمٍ

طاشَ من قوسِ الحقيقةِ واضْطَرَبْ

سَقَطَ المكانُ مُوَزَّعَ الأشلاءِ

والليلُ المُطَهَّمُ عن مَجَرَّتِهِ انقَلَبْ

وتَهَاوَتِ الأجسادُ جاثيةً على أسمائِها

حيثُ الوجوهُ بلا وجوهٍ

والملامحُ سِحْنةٌ سوداءُ

ضَيَّعَتِ الطريقَ إلى العَصَبْ

هذي الصغيرةُ إسْمُها...

ما إسمُها يا نَخْلُ؟

- عودوا للضفيرةِ

فالضفيرةُ قد تقودُ إلى النَسَبْ

تلك المليحةُ أصلُها...

ما أصلُها يا نخلُ؟

- عودوا للأساورِ

فالأساورُ قد تَدُلُّ على الحَسَبْ

ضَاعَتْ عناوينُ الجنائزِ

لم نَعُدْ ننعى سوى جُثَثٍ هُنا مجهولةِ الأكفانِ

سَيَّجَها بعَتْمَتِهِ، الحِدَادْ

وتهاوتِ الأنسابُ

تبحثُ عن معادنِها الكريمةِ بينَ أكوامِ الرمادْ

أَمليكةَ الشهداءِ..

إنَّ الأرضَ مِحْنَتُنَا القديمةُ

منذُ شِئْنَا أن نكون كما نريدُ وأنْ نُقَاوِمَ ما يُرَادْ

يا جهشةَ الحِنَّاءِ في الفَرَحِ المُكَفَّنِ بالسَّوَادْ

لُمِّي الرمادَ على الرمادْ

هذا التَّوَحُّدُ داخلَ المجهولِ أحوجُ ما يكونُ له العِبَادْ

سَقَطَتْ خيولُ الفلسفاتِ

على دروب الحُزْنِ ما بين الجوانحِ والفؤادْ

وتَفَحَّمَتْ كلُّ الحقائقِ في الأسى

لم يبقَ إلاَّ الحُبُّ يعبر بين أشلاءِ الضحايا

زَاهِياً بالقولِ:

لم تَخُنِ الأمومةُ ثَدْيَهَا أَبَداً

ولم يظمأْ على أحضانِها طفلُ الجِهادْ

يا حُبُّ.. يا لُغَةَ العنادْ

هذي (القديحُ)

منارةٌ تبكي و محرابٌ يُشاطرُها البُكَاءْ

والموتُ مصطافٌ يجول بموكبٍ من كبرياءْ

ماذا سنصنعُ..

والشوارعُ لم تُفَصَّلْ باتِّسَاعِ الموتِ ؟

إنَّ الموتَ يجتثُّ المنازلَ كيْ يشقَّ طريقَهُ دونَ انْحِنَاءْ

ما أكثرَ الدُّورَ التي هَرَبَتْ

لِيعبرَ ذلك المَلِكُ المتوَّجُ بِالفَنَاءْ

وَجَعٌ بأضلاعِ الأزقَّةِ..

آهِ.. تصرخُ كلُّ زاويةٍ

وتخمشُ وجهَهَا كَمَداً..

يحطُّ الموكبُ (القَدَرِيُّ) فوق بِسَاطِهِ اللَّيليِّ..

تأخذُ لعبةُ الشطرنجِ زينتَها

وتجلسُ فوقَ طاولةِ (القَضَاءْ)

مَنْ يهزمُ الموتَ الجَبانَ وقد تسلَّحَ بِالخَفَاءْ؟!

ما زال في ملكوتِهِ

يغتالُ كلَّ عشيَّةٍ قَمَراً

ويبعثُ غارةً سوداءَ في جُنْدِ الضِياءْ

الموتُ أتقنَ لعبةَ الشطرنجِ

منذ النقلةِ الأولى من الأجسادِ

في غمراتِ صلصالٍ وماءْ

يا أيُّها العُرْسُ المقدَّسُ

يا جنيناً سُلَّ من رَحِمِ السعادةِ في يَدَيْ وَلاَّدةٍ عمياءَ

يا عَرَقَ الأمومةِ في مخاضِ اليأسِ

يا فَرَحاً على وجهِ القوابلِ راح يسرقُهُ الخُفُوتْ

هذي (القديحُ)

تَمَايَلَتْ في هودجٍ من موتِها العاري

وزُفَّتْ في القصائدِ بين أبكارِ النُعُوتْ

تاجٌ من الأَرْزَاءِ كَلَّلَهَا

وحَطَّتْ فوق هودجِها خفافيشُ السكوتْ

هِيَ في جنازتِها تسيرُ كَمَنْ يموتُ ولا يموتْ

طَلَعَتْ على التاريخِ

من أفقِ الشهادةِ فوق أجنحةِ القُنُوتْ

وتساءَل التاريخُ :

هل هذي بيوتٌ؟!

أم نعوشٌ آمنَتْ بالنُورِ

فاتِّخَذَتْ لها شكلَ البيوتْ؟!

الوحشةُ الرقطاءُ

تنهشْ في مفاصلِها، وصمتٌ عنكبُوتْ

هَلْ نحنُ أهلُ الأرضِ؟!

أمْ محضُ استعاراتٍ بهذا الدفترِ السُفْلِيِّ

يكتبُنا ويمحونا الترابْ؟!

والموتُ..

هَلْ هُوَ رتبةُ الفَقْدِ الأخيرةُ في مقاماتِ الغيابْ؟!

يا كاتبَ الأجسادِ في سِفْرِ القبورِ..

متى سيكتملُ الكتابْ؟

هذا سؤالٌ لم يَزَلْ في جُوعِهِ الأَزَلِيِّ

موعوداً بِمائدةِ الجوابْ