شَدَّ الشراع ووثَّق الطُّنُبا
قاسٍ يسير الوَخْد والخَبَبا!
مهلاً - فدتك النفس - إن لنا
في المهل عند رحيلنا أربا
أرخِ الشراع فإنما المرسى
فيه الفراقُ وإنه اقتربا
لم أنسَ ساعاتٍ لنا سلفت
يا نيلُ فيك زمانها ذهبا
أيامَ يحويهنَّ زورقنا
متهاديًا لا يحفِل العبَبا
فيهنَّ ساذجةٌ مؤانسةٌ
سمراء منها القلب قد وجبا
كم همسةٍ لي كدت أهمسها
في أذنها والحب قد غلبا
والليلُ يكسوه السكون رضًا
والبحر رَهْوٌ والنسيم صَبا
ثم انثنيتُ وخانني خجلي
فالحب يدفع والحياء أبى!
يا قريةً بالشط ناعسةً
هل تذكرين الحب حين حبا
طفلان تحت ظلالك الريّا
يتعانقان ليبعثا العجبا
عانقتها جذلَ الفؤاد وما
أحلى عناقًا في ظلال صِبا
يا لحظةً في العمر قد بقيت
ذكرى تحزّ القلب والعصبا
لو كنت أدري أن غايتها
شجوٌ رضيت الشجو والوصبا
قد عشت طمّاعًا برجعتها
لم أدرِ أن الحب قد نضبا
هل تذكرين هوى طفولتنا
هل دال كالأيام أم حُجِبا؟
يا نيلُ كم أسلفتَ لي زمنًا
أهتزّ من تذكاره طربا
والآن - وا حرَّ الفؤاد - لقد
أصبحت مَغدى البين، وا حربا
قد كنتَ لي في الأرض جنتها
فغدوت قبحًا يبعث الكربا
إني رأيت الأرض واحدةً
سِيّان روضٌ أو سفوح رُبا
فالروض صدّاحٌ بلابلهُ
قفرٌ إذا وجهُ الحبيب نبا
والقفرُ جنتنا إذا عرفت
فيه القلوبُ الحبَّ والعتبا