يا زائرَ الأيام والأزمانِ
ما السرُّ في عينيكَ من أحزانِ؟
هل جئتَ من شمسِ الخيالِ مجسّداً
أم أنتَ من وردٍ بلا أغصانِ؟
ماذا وجدتَ بمهدِ هذا الكونِ من
لحنٍ يُبَثُّ بسحرهِ الفتّانِ؟
هل كنتَ تنصتُ للنسيمِ مرنّماً
أم كنتَ تكتبُ لوعةَ النسيانِ؟
في صوتِك الشفّافِ وشْيُ ملامحٍ
ما بين وجدٍ صادقٍ وحنانِ
يبكي ويضحكُ ثمّ يصمتُ برهةً
حتى يبوحَ بعبرةِ الكتمانِ
ما بالُ عَيْنِكَ الضحوكِ كأنّها
قَدْ أبْصَرَتْنَا في قَدِيمِ زَمَانِ؟
تشدو ولكنّ الحنينَ يضمّنا
في كلّ نغمةِ شوقِها العطشانِ
فتذوبُ أغصانُ الربى أنغامَها
وتَمُورُ فِي أَنْفَاسِهِ الأَلْحَانِ
أفْرَاحُهَا صَمْتٌ ولكنّ الهوى
يفشي الكلامَ ودمعه هتانِ
ما من حديث غيرَ ما يروي المدى
عن سحرِ ذاكَ المنشدِ الفنّانِ
يا منشدَ الأرواحِ في زمنِ المدى
ما أنتَ؟ ما تُخفي عن الأذهانِ؟
أترى تناجي زهرةً في صمتِها؟
أم تسمعُ الألحانَ من أشجانِ؟
أم أنتَ تكتبُ في السكوتِ رسالةً
للدهرِ في نظمٍ من الألوانِ؟
وتمدّ ظلكَ في المدى لتضمّه
جذلانَ بين دفاترِ الأشجانِ
وترى الجمالَ، فتستفيضَ قصائدا
نسجتْ رؤاكَ بحبّكَ الولهانِ
فإذا بكَ الشعرُ القديمُ مجدَّداً
يُتلى على وترِ الهوى الحيرانِ
إن كنتَ تعرفني فقل لي: من أنا؟
أنا زهرةٌ حيرى على الأفنانِ
أو نَفْحَةٌ مِنْ لَهْفَةٍ حَيْرَى نَأَتْ
خافَ الهوى من شدّةِ الطوفانِ
لكنني في صمتيَ المتوشّحِ
أشدو، وأرنو لحظةَ الإيمانِ
وأقولُ: يا فنّ الوجودِ تجلَّ لي
فأنا ربيبُك، مثقل الأحزانِ
قد علّمتني كيفَ أرنو دائما
في حضرةِ الإرفاقِ والإحسانِ